بعد التعرف على الموارد الطبيعية والبشرية للمجال المغربي وما يطبع توزيعها من تفاوت جهوي، يتناول هذا الدرس سياسة إعداد التراب الوطني باعتبارها الإطار الاستراتيجي الذي تعتمده الدولة لتدبير هذا التفاوت وتحقيق تنمية مجالية أكثر توازنا وانسجاما بين مختلف جهات المملكة.
مفهوم إعداد التراب الوطني وأهدافه
يقصد بـإعداد التراب الوطني مجموع السياسات والتدخلات المجالية التي تعتمدها الدولة لتنظيم توزيع الأنشطة الاقتصادية والساكنة والتجهيزات فوق التراب الوطني، بشكل يحقق استغلالا عقلانيا للموارد ويقلص الفوارق بين الجهات. وتتوخى هذه السياسة أساسا تحقيق التوازن المجالي بين مختلف مناطق المملكة، وتثمين الموارد المحلية، وتحسين جاذبية المجالات الترابية، وتقوية تنافسية الاقتصاد الوطني في إطار الانفتاح على السوق العالمية.
السياق والدواعي التي استوجبت تبني هذه السياسة
نشأت الحاجة إلى سياسة إعداد التراب الوطني نتيجة عدة معطيات، من أبرزها التفاوت الكبير بين المجالات الحضرية والقروية، وتركز الأنشطة الاقتصادية والاستثمارات في المحور الأطلسي على حساب باقي الجهات، إضافة إلى تسارع وتيرة التمدين وما نتج عنه من ضغط على المدن الكبرى، فضلا عن الحاجة إلى الاندماج في محيط اقتصادي جهوي ودولي أكثر تنافسية، وضرورة تدبير الموارد الطبيعية بشكل مستدام يراعي البعد البيئي.
الاختيارات الكبرى لسياسة إعداد التراب الوطني
ترتكز سياسة إعداد التراب الوطني بالمغرب على مجموعة من الاختيارات الاستراتيجية الكبرى، أهمها:
- تحقيق التوازن المجالي: عبر الحد من التفاوت بين الجهات والمدن، وتقريب التنمية من المناطق المهمشة.
- ضمان الاندماج المجالي: بربط مختلف مناطق المملكة عبر البنيات التحتية (الطرق، السكك الحديدية، الموانئ) لتسهيل التنقل وتبادل السلع والخدمات.
- تعزيز التنافسية الاقتصادية: من خلال دعم الأقطاب الاقتصادية الجهوية وتثمين الموارد المحلية لكل جهة حسب تخصصها.
- الحفاظ على البيئة وتثمين الموارد الطبيعية: عبر إدماج البعد البيئي في كل مخططات التنمية الترابية لضمان استدامة الموارد.
- تقوية اللامركزية واللاتمركز: بمنح الجهات صلاحيات أوسع في تدبير شؤونها التنموية.
الأدوات والآليات المعتمدة
لتفعيل هذه الاختيارات، اعتمد المغرب مجموعة من الأدوات المؤسساتية والتخطيطية، من أبرزها المخطط الوطني لإعداد التراب الذي يحدد التوجهات الكبرى على المستوى الوطني، والمخططات الجهوية لإعداد التراب التي تترجم هذه التوجهات على مستوى كل جهة، إضافة إلى تصاميم التهيئة الحضرية على مستوى المدن. كما شكل ورش الجهوية المتقدمة آلية أساسية لتعزيز هذا التوجه، من خلال منح الجهات موارد وصلاحيات أوسع لتدبير تنميتها الترابية.
مجالات التدخل ذات الأولوية
تتعدد المجالات القطاعية التي تستهدفها سياسة إعداد التراب الوطني، ويمكن تقديم أمثلة عنها في الجدول التالي:
| المجال القطاعي | مثال عن التدخل | الهدف الأساسي |
|---|---|---|
| البنيات التحتية والنقل | الطرق السيارة، القطار فائق السرعة | ربط الجهات وتسهيل التنقل |
| الفلاحة | برامج دعم الفلاحة الجهوية | تثمين المؤهلات الفلاحية المحلية |
| التنمية الحضرية | برامج تأهيل المدن | تحسين جودة العيش الحضري |
| التنمية القروية | برامج تعميم الماء والكهرباء بالبوادي | الحد من الفوارق بين المدينة والقرية |
الفاعلون في إعداد التراب الوطني
تتدخل في مسلسل إعداد التراب الوطني فعاليات متعددة، يأتي في مقدمتها الدولة عبر مختلف الوزارات والمؤسسات العمومية، إلى جانب الجماعات الترابية (الجهات والعمالات والجماعات) التي تضطلع بأدوار متزايدة في ظل الجهوية المتقدمة، إضافة إلى القطاع الخاص كشريك في الاستثمار، والمجتمع المدني الذي يساهم في التأطير والتحسيس، دون إغفال دور الشركاء الدوليين في تمويل بعض المشاريع الكبرى.
حصيلة وتحديات إعداد التراب الوطني بالمغرب
حققت سياسة إعداد التراب الوطني بالمغرب مكتسبات مهمة تجلت في تحسن البنيات التحتية للنقل وتوسع الولوج إلى الماء والكهرباء بالمناطق القروية، غير أنها لا تزال تواجه تحديات كبرى تتمثل في استمرار بعض الفوارق الجهوية، وضعف التنسيق أحيانا بين المتدخلين، ومحدودية الموارد المالية المرصودة لبعض الجهات، مما يستدعي مزيدا من التنسيق والتقييم المستمر لهذه السياسات.
تطبيق
تمرين 1 — عرّف مفهوم إعداد التراب الوطني وحدد أهدافه الأساسية.
تمرين 2 — اذكر ثلاثة من الدواعي التي استوجبت تبني سياسة إعداد التراب الوطني بالمغرب.
تمرين 3 — عدد الاختيارات الكبرى لسياسة إعداد التراب الوطني مع شرح واحد منها بتفصيل.
تمرين 4 — ما الفرق بين المخطط الوطني لإعداد التراب والمخططات الجهوية لإعداد التراب؟
تمرين 5 — انطلاقا من الجدول، اذكر مثالين عن مجالات تدخل سياسة إعداد التراب الوطني وهدف كل منهما.
تمرين 6 — من هم الفاعلون الأساسيون المتدخلون في إعداد التراب الوطني بالمغرب؟
تمرين 7 — ما هي أبرز التحديات التي لا تزال تواجه سياسة إعداد التراب الوطني بالمغرب؟
تمرين 8 — بيّن العلاقة بين ورش الجهوية المتقدمة وسياسة إعداد التراب الوطني.
التصحيح
الجواب 1 — إعداد التراب الوطني هو مجموع السياسات والتدخلات المجالية التي تعتمدها الدولة لتنظيم توزيع الأنشطة والساكنة والتجهيزات فوق التراب الوطني. وتهدف أساسا إلى تحقيق التوازن المجالي بين الجهات، وتثمين الموارد المحلية، وتحسين جاذبية المجالات الترابية، وتقوية تنافسية الاقتصاد الوطني.
الجواب 2 — من أبرز هذه الدواعي: التفاوت الكبير بين المجالات الحضرية والقروية، وتركز الأنشطة الاقتصادية في المحور الأطلسي على حساب باقي الجهات، وتسارع وتيرة التمدين والضغط الناتج عنه على المدن الكبرى.
الجواب 3 — من أبرز الاختيارات الكبرى: تحقيق التوازن المجالي، وضمان الاندماج المجالي، وتعزيز التنافسية الاقتصادية، والحفاظ على البيئة، وتقوية اللامركزية واللاتمركز. فمثلا، يقصد بضمان الاندماج المجالي ربط مختلف مناطق المملكة فيما بينها عبر شبكات الطرق والسكك الحديدية والموانئ، بما يسهل تنقل الأشخاص والبضائع ويقلص عزلة المناطق النائية.
الجواب 4 — المخطط الوطني لإعداد التراب يحدد التوجهات والاستراتيجيات الكبرى على المستوى الوطني ككل، في حين تترجم المخططات الجهوية لإعداد التراب هذه التوجهات الوطنية إلى برامج وتدخلات ملموسة تتلاءم مع خصوصيات كل جهة على حدة.
الجواب 5 — من الأمثلة: إنجاز الطرق السيارة والقطار فائق السرعة بهدف ربط الجهات وتسهيل التنقل، وبرامج تعميم الماء الصالح للشرب والكهرباء بالمناطق القروية بهدف الحد من الفوارق بين المدينة والقرية.
الجواب 6 — يتدخل في إعداد التراب الوطني كل من الدولة عبر وزاراتها ومؤسساتها، والجماعات الترابية (الجهات والعمالات والجماعات) في إطار الجهوية المتقدمة، والقطاع الخاص كشريك في الاستثمار، والمجتمع المدني، إضافة إلى الشركاء الدوليين الممولين لبعض المشاريع.
الجواب 7 — من أبرز التحديات: استمرار بعض الفوارق الجهوية رغم المجهودات المبذولة، وضعف التنسيق أحيانا بين مختلف المتدخلين، ومحدودية الموارد المالية المرصودة لبعض الجهات، وهو ما يستدعي تقييما مستمرا لهذه السياسات وتطويرها.
الجواب 8 — شكل ورش الجهوية المتقدمة آلية أساسية لتفعيل سياسة إعداد التراب الوطني، من خلال منح الجهات صلاحيات وموارد مالية أوسع لتدبير تنميتها الترابية بنفسها، بما يمكنها من ترجمة التوجهات الوطنية في إعداد التراب إلى برامج جهوية تراعي خصوصياتها المحلية.



