الاختيارات الكبرى لسياسة إعداد التراب الوطني – الأولى باك (آداب وعلوم إنسانية)

بعد التعرف على التقسيمات المجالية الكبرى للمغرب، يتناول هذا الدرس سياسة إعداد التراب الوطني باعتبارها الإطار الاستراتيجي الذي يسعى الدولة من خلاله إلى تنظيم استعمال المجال وتوزيع الأنشطة والتجهيزات بشكل متوازن بين مختلف الجهات، تجاوزا للاختلالات المجالية الموروثة، وتحقيقا لتنمية مستدامة ومنصفة تشمل كافة ربوع المملكة.

مفهوم إعداد التراب الوطني وأهدافه

يقصد بإعداد التراب الوطني مجموع التدخلات والسياسات العمومية الهادفة إلى تنظيم توزيع السكان والأنشطة الاقتصادية والتجهيزات الأساسية على المجال الترابي بشكل عقلاني ومتوازن. ويهدف هذا الإعداد إلى تحقيق ثلاثة أهداف رئيسية: تقليص الفوارق المجالية بين الجهات، وتثمين الموارد والإمكانات المحلية لكل منطقة، وضمان تنمية مستدامة تراعي البعد البيئي إلى جانب البعدين الاقتصادي والاجتماعي.

الاختلالات المجالية المبررة لهذه السياسة

جاءت سياسة إعداد التراب الوطني استجابة لعدة اختلالات ميزت المجال المغربي، أبرزها:

  • التفاوت الكبير بين المغرب النافع الساحلي والمناطق الداخلية والجبلية والصحراوية الأقل تجهيزا.
  • التركز المفرط للأنشطة الاقتصادية والسكان في المحور الساحلي الممتد من القنيطرة إلى الجديدة.
  • ضعف الربط الطرقي والمواصلاتي بين بعض المناطق النائية والمراكز الحضرية الكبرى.
  • استمرار الفوارق بين الوسطين الحضري والقروي في الولوج إلى الخدمات الأساسية.

المرجعية القانونية والمؤسساتية

استند المغرب في بلورة سياسته لإعداد التراب الوطني على مرجعيات متعددة، أهمها الميثاق الوطني لإعداد التراب الذي حدد التوجهات الكبرى لهذه السياسة، إضافة إلى الدستور الذي كرس مبدأ الجهوية المتقدمة، والمخططات الجهوية لإعداد التراب التي تترجم هذه التوجهات على المستوى المحلي. كما تسهر مؤسسات عدة على تنسيق هذه السياسة، من بينها الوزارة الوصية على إعداد التراب والمجالس الجهوية المنتخبة.

الاختيار الأول: تأهيل المجال وتقوية الجاذبية

يهم هذا الاختيار تحسين البنيات التحتية الأساسية (الطرق، السكك الحديدية، الموانئ، المطارات) لتقوية الربط بين مختلف جهات المملكة، وتعزيز جاذبية المجالات الترابية أمام الاستثمار، سواء عبر إحداث مناطق صناعية جديدة أو تأهيل المدن الصغرى والمتوسطة لتصبح أقطابا للتنمية المحلية تخفف الضغط عن المدن الكبرى.

الاختيار الثاني: التنمية المجالية المندمجة والمستدامة

يركز هذا الاختيار على تحقيق تنمية شمولية تدمج الأبعاد الاقتصادية والاجتماعية والبيئية معا، وذلك عبر تثمين الموارد المحلية الخاصة بكل منطقة (السياحة، الفلاحة، الصناعة التقليدية، الطاقات المتجددة)، مع الحرص على الحفاظ على الموارد الطبيعية من الاستنزاف، بما يضمن استدامة هذه التنمية للأجيال القادمة.

الاختيار الثالث: الحكامة الترابية والتقارب

يهدف هذا الاختيار إلى تعزيز آليات الحكامة الترابية عبر إشراك مختلف الفاعلين المحليين (المنتخبين، المجتمع المدني، القطاع الخاص) في صياغة وتنفيذ مشاريع التنمية الجهوية، إضافة إلى تقريب مراكز القرار من المواطنين من خلال تفعيل اللاتمركز الإداري ونقل الصلاحيات نحو الجهات، تماشيا مع مقتضيات الجهوية المتقدمة.

المخططات القطاعية الداعمة لإعداد التراب

ترتبط سياسة إعداد التراب الوطني بعدد من المخططات القطاعية التي تترجم اختياراتها على أرض الواقع، من أبرزها:

المخطط القطاعي الهدف الرئيسي
الرؤية الاستراتيجية للسياحة (2020 وما بعدها) تنويع الوجهات السياحية وتوزيعها على مختلف الجهات
مخطط التسريع الصناعي إحداث أقطاب صناعية جهوية ومهن عالمية للمغرب
استراتيجية الجيل الأخضر تثمين الفلاحة الجهوية ودعم صغار الفلاحين
البرنامج الوطني للطرق القروية فك العزلة عن المناطق القروية والجبلية

حصيلة وتحديات تفعيل سياسة إعداد التراب

حققت سياسة إعداد التراب الوطني نتائج ملموسة تمثلت في تحسين الربط الطرقي والسككي بين الجهات، وبروز أقطاب اقتصادية جديدة خارج المحور الساحلي التقليدي كطنجة والعيون والداخلة، غير أن تحديات عديدة لا تزال قائمة، أبرزها استمرار بعض الفوارق المجالية، وضرورة تسريع وتيرة اللاتمركز الإداري، وتعزيز التمويل الموجه للمشاريع الجهوية لضمان تكافؤ حقيقي في فرص التنمية بين كافة جهات المملكة.

تطبيق

تمرين 1 — عرف مفهوم إعداد التراب الوطني واذكر أهدافه الثلاثة الرئيسية.

تمرين 2 — اذكر ثلاثة اختلالات مجالية كانت وراء اعتماد سياسة إعداد التراب الوطني.

تمرين 3 — ما هي المرجعية القانونية الأساسية التي استندت إليها هذه السياسة؟

تمرين 4 — اشرح مضمون الاختيار الأول المتعلق بتأهيل المجال وتقوية الجاذبية.

تمرين 5 — ميز بين الاختيار الثاني (التنمية المجالية المندمجة) والاختيار الثالث (الحكامة الترابية).

تمرين 6 — اعتمادا على الجدول، اربط بين كل مخطط قطاعي والهدف المرتبط به.

تمرين 7 — ما علاقة اللاتمركز الإداري بتفعيل سياسة إعداد التراب الوطني؟

تمرين 8 — اذكر مثالين لأقطاب اقتصادية جديدة بروزت خارج المحور الساحلي التقليدي نتيجة هذه السياسة.

التصحيح

الجواب 1 — إعداد التراب الوطني هو مجموع التدخلات والسياسات العمومية الهادفة إلى تنظيم توزيع السكان والأنشطة والتجهيزات على المجال الترابي، وأهدافه الثلاثة هي: تقليص الفوارق المجالية بين الجهات، وتثمين الموارد والإمكانات المحلية، وضمان تنمية مستدامة تراعي البعد البيئي.

الجواب 2 — من الاختلالات المجالية: التفاوت بين المغرب النافع الساحلي والمناطق الداخلية والجبلية والصحراوية، والتركز المفرط للأنشطة الاقتصادية في المحور الساحلي بين القنيطرة والجديدة، وضعف الربط الطرقي والمواصلاتي مع المناطق النائية.

الجواب 3 — استندت هذه السياسة أساسا على الميثاق الوطني لإعداد التراب الذي حدد توجهاتها الكبرى، إضافة إلى الدستور الذي كرس مبدأ الجهوية المتقدمة والمخططات الجهوية لإعداد التراب.

الجواب 4 — يهم هذا الاختيار تحسين البنيات التحتية الأساسية كالطرق والسكك الحديدية والموانئ والمطارات لربط جهات المملكة، وتعزيز جاذبية المجالات أمام الاستثمار عبر إحداث مناطق صناعية جديدة وتأهيل المدن الصغرى والمتوسطة.

الجواب 5 — يركز الاختيار الثاني على دمج الأبعاد الاقتصادية والاجتماعية والبيئية عبر تثمين الموارد المحلية لكل منطقة مع الحفاظ عليها من الاستنزاف، بينما يركز الاختيار الثالث على إشراك الفاعلين المحليين في القرار التنموي وتقريب مراكز القرار من المواطنين عبر اللاتمركز الإداري.

الجواب 6 — الرؤية الاستراتيجية للسياحة تهدف لتنويع الوجهات السياحية وتوزيعها جهويا؛ مخطط التسريع الصناعي يهدف لإحداث أقطاب صناعية جهوية؛ استراتيجية الجيل الأخضر تهدف لتثمين الفلاحة الجهوية ودعم صغار الفلاحين؛ البرنامج الوطني للطرق القروية يهدف لفك العزلة عن المناطق القروية والجبلية.

الجواب 7 — يرتبط اللاتمركز الإداري بتفعيل إعداد التراب من خلال نقل صلاحيات أوسع من الإدارة المركزية إلى المصالح الجهوية والمحلية، مما يسرع اتخاذ القرار وتنفيذ المشاريع التنموية على المستوى الترابي ويقربها من حاجيات الساكنة المحلية.

الجواب 8 — من الأمثلة على الأقطاب الاقتصادية الجديدة: مدينة طنجة التي أصبحت قطبا صناعيا ولوجستيكيا بفضل ميناء طنجة المتوسط، ومدينتا العيون والداخلة اللتان تشهدان استثمارات متنامية في الطاقات المتجددة والصيد البحري والسياحة.

Laisser un commentaire

Défiler vers le haut