المغرب في مطلع القرن 19م (الضغوط الدولية وسياسة الاحتراز) – الأولى باك (آداب وعلوم إنسانية)

واجه المغرب، شأنه شأن باقي أقطار العالم الإسلامي، تحديا متصاعدا تمثل في تنامي الأطماع الأوربية على أراضيه ومياهه، غير أنه تميز عن جيرانه المشرقيين بكونه ظل كيانا سياسيا مستقلا تماما عن الدولة العثمانية طيلة هذه المرحلة. سنتناول في هذا الدرس البنية السياسية والاجتماعية للمغرب في مطلع القرن التاسع عشر، ثم نحلل السياسة التي اعتمدها المخزن لمواجهة الضغوط الدولية، المعروفة بـ«سياسة الاحتراز»، من خلال محطتيها الأساسيتين: معركة إيسلي 1844م والحرب الإسبانية المغربية 1859-1860م.

المغرب في مطلع القرن 19: البنية السياسية والاجتماعية

كان المغرب في مطلع القرن التاسع عشر دولة مستقلة يحكمها السلاطين العلويون، تقوم بنيته السياسية على ثنائية «بلاد المخزن» الخاضعة لسلطة السلطان المباشرة، و«بلاد السيبة» التي تحتفظ فيها القبائل الجبلية والصحراوية باستقلالية نسبية في تدبير شؤونها المحلية، مع اعتراف رمزي بسلطة السلطان الدينية. وقد شكلت هذه الثنائية أحد عوامل هشاشة السلطة المركزية أمام أي ضغط خارجي مركز.

مقومات سياسة الاحتراز المغربية

تبنى المخزن المغربي، في مواجهة تنامي الأطماع الأوربية، ما اصطلح عليه بـ«سياسة الاحتراز»، وهي سياسة تقوم على الحذر الشديد من الانفتاح على القوى الأوربية، عبر تقييد التبادل التجاري والدبلوماسي، ومحدودية عدد الموانئ المفتوحة أمام التجارة الأجنبية، ورفض منح امتيازات واسعة للأجانب، سعيا للحفاظ على استقلال القرار المغربي وعدم تكرار سيناريو التبعية الذي عرفته الإيالات العثمانية المجاورة.

معركة إيسلي 1844م: أسبابها ونتائجها

اندلعت أزمة دبلوماسية بين المغرب وفرنسا بسبب دعم السلطان مولاي عبد الرحمان للأمير عبد القادر الجزائري في مقاومته للاحتلال الفرنسي، مما دفع فرنسا إلى توجيه إنذار للمغرب، وعند رفضه، وقعت معركة إيسلي قرب وجدة في غشت 1844م، انتهت بهزيمة عسكرية للجيش المغربي التقليدي أمام التفوق التقني للجيش الفرنسي الحديث. وقد كشفت هذه الهزيمة، رغم عدم فقدان المغرب لسيادته، عن الفجوة العسكرية الكبيرة الفاصلة بينه وبين القوى الأوربية الصناعية.

الحرب الإسبانية المغربية 1859-1860م ومعاهدة تطوان

استغلت إسبانيا توترا حدوديا قرب سبتة لإعلان الحرب على المغرب سنة 1859م، واستطاعت قواتها احتلال مدينة تطوان مؤقتا سنة 1860م، قبل أن تفرض على السلطان محمد الرابع توقيع معاهدة تطوان التي تضمنت توسيع الحدود الإسبانية حول سبتة ومليلية، وفرض غرامة حربية ضخمة على المغرب اضطره للاستدانة من بريطانيا لسدادها، وهو ما شكل أولى حلقات التبعية المالية المغربية للخارج.

الأطماع الدولية المتصارعة حول المغرب

لم يقتصر الضغط على المغرب على دولة أوربية واحدة، بل تنافست عليه عدة قوى: فرنسا التي كانت تسعى لربط جزائرها المحتلة بمجال نفوذ مغربي، وإسبانيا الطامعة في توسيع حدودها الشمالية وسبتة ومليلية، وبريطانيا التي كانت تحرص على منع أي طرف أوربي منافس من الانفراد بمراقبة مضيق جبل طارق الاستراتيجي، وهو ما جعل التوازن بين هذه الأطماع المتصارعة عاملا أطال أمد الاستقلال المغربي نسبيا رغم الهزائم العسكرية المتلاحقة.

محاولات الإصلاح المخزنية المحتشمة

أدرك المخزن، خاصة في عهد السلطان الحسن الأول (1873-1894م)، ضرورة تحديث بعض مؤسسات الدولة لمواجهة الضغوط المتنامية، فسعى إلى إصلاح الجيش عبر الاستعانة بخبراء عسكريين أوربيين، ومحاولة تحديث النظام الضريبي عبر ضريبة الترتيب، غير أن هذه المحاولات ظلت محتشمة ومحدودة الأثر، بسبب ضعف الموارد المالية ومقاومة بعض النخب المحلية لأي تغيير يمس بنية السلطة التقليدية.

حدود سياسة الاحتراز وبداية تراجعها

على الرغم من نجاح سياسة الاحتراز نسبيا في الحفاظ على استقلال المغرب الشكلي طيلة معظم القرن التاسع عشر، فإنها لم تستطع منع تراكم الهزائم العسكرية (إيسلي، تطوان) ولا وقف تنامي التغلغل الاقتصادي والدبلوماسي الأوربي عبر المعاهدات التجارية والحماية القنصلية، مما جعل هذه السياسة أقرب إلى تأخير حتمي للتدخل الأجنبي منها إلى صد كامل له.

جدول: أهم محطات الضغط الدولي على المغرب

التاريخ الحدث الأثر
1844م معركة إيسلي هزيمة عسكرية أمام فرنسا، كشف الفجوة التقنية
1856م معاهدة تجارية إنجليزية-مغربية تقييد الاحتكار المخزني، فتح السوق المغربية
1859-1860م الحرب الإسبانية المغربية احتلال تطوان مؤقتا، معاهدة تطوان وغرامة مالية
1873-1894م إصلاحات الحسن الأول محاولات إصلاح عسكري وضريبي محدودة الأثر

تطبيق

تمرين 1 — اشرح ثنائية «بلاد المخزن» و«بلاد السيبة» في البنية السياسية للمغرب في مطلع القرن 19.

تمرين 2 — ما المقصود بـ«سياسة الاحتراز»؟ وما الهدف منها؟

تمرين 3 — ما هي أسباب اندلاع معركة إيسلي سنة 1844، وما نتائجها؟

تمرين 4 — بيّن ظروف الحرب الإسبانية المغربية (1859-1860) ومضمون معاهدة تطوان.

تمرين 5 — كيف ساهمت معاهدة تطوان في بداية التبعية المالية المغربية للخارج؟

تمرين 6 — وضح كيف ساهم تصارع الأطماع الدولية (فرنسا، إسبانيا، بريطانيا) في إطالة أمد استقلال المغرب نسبيا.

تمرين 7 — ما هي حدود الإصلاحات التي حاول السلطان الحسن الأول القيام بها؟

تمرين 8 — لخص في فقرة تركيبية أسباب فشل سياسة الاحتراز في صد التدخل الأوربي بشكل كامل.

التصحيح

الجواب 1 — بلاد المخزن هي المناطق الخاضعة مباشرة لسلطة السلطان الإدارية والعسكرية والضريبية، بينما بلاد السيبة هي مناطق القبائل الجبلية والصحراوية التي كانت تحتفظ باستقلالية نسبية في تدبير شؤونها المحلية مع اعتراف رمزي بسلطة السلطان الدينية فقط، وهو ما أضعف تماسك الدولة المركزية.

الجواب 2 — سياسة الاحتراز هي سياسة حذر شديد اعتمدها المخزن المغربي تجاه الانفتاح على القوى الأوربية، عبر تقييد التبادل التجاري والدبلوماسي ومحدودية الموانئ المفتوحة، بهدف الحفاظ على استقلال القرار المغربي وتجنب الوقوع في التبعية.

الجواب 3 — اندلعت المعركة بسبب دعم السلطان مولاي عبد الرحمان للأمير عبد القادر الجزائري ضد فرنسا، مما دفع فرنسا لتوجيه إنذار ثم خوض المعركة قرب وجدة في غشت 1844، وانتهت بهزيمة الجيش المغربي التقليدي أمام التفوق التقني الفرنسي، رغم حفاظ المغرب على سيادته الشكلية.

الجواب 4 — استغلت إسبانيا توترا حدوديا قرب سبتة لإعلان الحرب سنة 1859، فاحتلت تطوان مؤقتا سنة 1860، وفرضت معاهدة تطوان التي توسعت بموجبها الحدود الإسبانية حول سبتة ومليلية وفرضت غرامة حربية ضخمة على المغرب.

الجواب 5 — اضطر المغرب، لسداد الغرامة الحربية المفروضة بموجب معاهدة تطوان، إلى الاستدانة من بريطانيا، وهو ما شكل أولى حلقات التبعية المالية المغربية تجاه الدول الأوربية التي ستتعمق لاحقا.

الجواب 6 — كل دولة كانت تسعى لمنع الأخرى من الانفراد بالسيطرة على المغرب (فرنسا لربط الجزائر بمجال نفوذها، إسبانيا لتوسيع سبتة ومليلية، بريطانيا لحماية مضيق جبل طارق)، فأدى هذا التوازن بين الأطماع المتصارعة إلى تأجيل التدخل المباشر الشامل لفترة أطول نسبيا.

الجواب 7 — حاول الحسن الأول إصلاح الجيش بالاستعانة بخبراء أوربيين وتحديث النظام الضريبي عبر ضريبة الترتيب، لكن هذه المحاولات بقيت محدودة الأثر بسبب ضعف الموارد المالية ومقاومة بعض النخب المحلية للتغيير.

الجواب 8 — فشلت سياسة الاحتراز في صد التدخل الأوربي بشكل كامل لأنها اعتمدت أساسا على الانغلاق الدبلوماسي والتجاري دون مواكبة ذلك بإصلاح عسكري واقتصادي حقيقي يرفع من قدرة المغرب على الصمود، فكانت الهزائم العسكرية المتتالية (إيسلي، تطوان) والمعاهدات التجارية غير المتكافئة كفيلة بفتح الباب تدريجيا أمام التغلغل الاستعماري رغم بقاء السيادة الشكلية قائمة.

Laisser un commentaire

Défiler vers le haut