الصين قوة اقتصادية صاعدة – الأولى باك (علوم)

عرفت الصين خلال العقود الأربعة الأخيرة تحولا اقتصاديا واجتماعيا غير مسبوق، حولها من دولة زراعية فقيرة إلى ثاني قوة اقتصادية في العالم و«ورشة العالم» الصناعية، بفضل إصلاحات اقتصادية عميقة وانفتاح تدريجي ومدروس على الاقتصاد العالمي. يندرج هذا الدرس ضمن سلسلة دروس القوى الاقتصادية الكبرى بمقرر الجغرافيا للأولى بكالوريا مسلك العلوم، وسنحاول من خلاله إبراز مقومات هذا الصعود الاقتصادي الصيني وحدوده وتحدياته.

المقومات الطبيعية والبشرية للنهوض الاقتصادي الصيني

تتوفر الصين على مقومات طبيعية وبشرية هائلة شكلت الأساس الأول لصعودها الاقتصادي، إذ تمتد مساحتها على نحو 9.6 ملايين كيلومتر مربع، وتزخر بثروات باطنية متنوعة (الفحم، الحديد، المعادن النادرة)، وتتوفر على سهول خصبة كبرى (سهل الصين الشمالي، حوض نهري اليانغتسي والنهر الأصفر) مناسبة للفلاحة الكثيفة.

أما على المستوى البشري، فتضم الصين أكبر عدد سكان في العالم تقريبا (يقارب 1.4 مليار نسمة)، وهو ما وفر لها:

  • يدا عاملة وفيرة ورخيصة نسبيا شكلت عاملا حاسما في الجذب الصناعي.
  • سوقا استهلاكية داخلية هائلة الإمكانات.
  • قدرة على التكوين وتأهيل الأطر التقنية والمهندسين بأعداد كبيرة.

الإصلاحات الاقتصادية ومراحل الانفتاح منذ 1978

انطلق الانفتاح الاقتصادي الصيني بشكل حاسم سنة 1978 في عهد الزعيم دنغ شياو بينغ، الذي أطلق سياسة «الإصلاح والانفتاح»، القائمة على إدخال آليات اقتصاد السوق تدريجيا مع الحفاظ على النظام السياسي القائم، وهو ما عرف بـ«اشتراكية السوق ذات الخصائص الصينية».

ومن أبرز محطات هذا الانفتاح:

  • إحداث المناطق الاقتصادية الخاصة (كشنجن) التي منحت امتيازات جبائية وتنظيمية لجلب الاستثمارات الأجنبية.
  • فتح المدن الساحلية أمام الاستثمار الأجنبي المباشر تدريجيا.
  • الانخراط في منظمة التجارة العالمية سنة 2001، الذي عزز اندماج الصين في الاقتصاد العالمي.
  • تشجيع الشركات الصينية على التصدير والاستثمار خارج الحدود الوطنية.

القطاع الصناعي الصيني: ورشة العالم

أصبحت الصين توصف بـ«ورشة العالم» نظرا لضخامة إنتاجها الصناعي وتنوعه، حيث تهيمن على تصنيع وتصدير عدد كبير من المنتجات الاستهلاكية والصناعية، من النسيج والألعاب إلى الإلكترونيك والسيارات والألواح الشمسية، معتمدة في البداية على اليد العاملة الرخيصة ثم متجهة تدريجيا نحو الصناعات ذات التكنولوجيا العالية.

المنتج / القطاع مكانة الصين عالميا (تقريبا)
الصلب أول منتج ومصدر عالمي
الإلكترونيك والهواتف الذكية من أكبر المنتجين والمصدرين عالميا
الألواح الشمسية المنتج الأول عالميا
السيارات (خاصة الكهربائية) من كبار المنتجين والمصدرين عالميا

وتشهد المدن الساحلية الشرقية (شنغهاي، شنجن، قوانغجو) أكبر تركز للأنشطة الصناعية والتصديرية، في حين تبقى المناطق الداخلية الغربية أقل تصنيعا.

القطاع الفلاحي ودوره في الأمن الغذائي الصيني

ورغم التحول الصناعي الكبير، يبقى القطاع الفلاحي حيويا بالنسبة للصين نظرا لضرورة إطعام أكبر عدد سكان في العالم بمساحات فلاحية محدودة نسبيا. وتعتمد الفلاحة الصينية على الكثافة الإنتاجية العالية، خاصة في زراعة الأرز والقمح بحوضي اليانغتسي والنهر الأصفر، مع استعمال متزايد للتقنيات الحديثة والري لتعظيم المردودية في مساحات محدودة.

وتظل الصين من أكبر المنتجين العالميين للأرز والقمح والخضر والفواكه، لكنها تبقى في المقابل من كبار مستوردي بعض المواد الفلاحية كفول الصويا نظرا لضخامة حاجيات استهلاكها الداخلي.

مكانة الصين في التجارة والاستثمار الدوليين

أصبحت الصين اليوم ثاني قوة اقتصادية في العالم من حيث الناتج الداخلي الخام، وأول دولة مصدرة للسلع عالميا، وتحتفظ باحتياطي كبير من العملة الصعبة. كما أطلقت مبادرة «الحزام والطريق» الهادفة إلى تطوير شبكات بنيات تحتية للنقل والطاقة تربطها بأسواق آسيا وإفريقيا وأوروبا، بهدف تعزيز نفوذها الاقتصادي والجيوسياسي على المستوى العالمي.

وتستثمر الشركات الصينية بشكل متزايد في الخارج، في قطاعات الطاقة والمناجم والبنيات التحتية، خاصة في القارة الإفريقية وأمريكا اللاتينية وبعض دول آسيا.

حدود وتحديات النموذج الاقتصادي الصيني

يواجه النموذج الاقتصادي الصيني عدة تحديات وإكراهات رغم نجاحه الكبير، من أبرزها:

  • التلوث البيئي الحاد الناتج عن التصنيع المكثف والاعتماد الكبير على الفحم كمصدر للطاقة.
  • الفوارق المجالية الكبيرة بين المناطق الساحلية الشرقية المصنعة والمناطق الداخلية الغربية الأقل نموا.
  • شيخوخة السكان المتسارعة نتيجة سياسة تحديد النسل التي طُبقت لعقود (سياسة الطفل الواحد)، وما ينتج عنها من تراجع تدريجي لليد العاملة النشيطة مستقبلا.
  • ارتفاع كلفة اليد العاملة مقارنة بالعقود الماضية، مما يدفع بعض الصناعات للانتقال نحو دول آسيوية أخرى أقل كلفة.
  • توترات تجارية مع بعض الشركاء الاقتصاديين الكبار حول قضايا الملكية الفكرية والميزان التجاري.

مكانة الصين في الاقتصاد العالمي

باتت الصين تشكل قطبا اقتصاديا صاعدا وأساسيا في النظام الاقتصادي العالمي، ومنافسا حقيقيا للولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي في عدة مجالات صناعية وتكنولوجية وتجارية. ويظل التحدي الأكبر أمامها هو الانتقال بنموذجها الاقتصادي نحو مزيد من الجودة والابتكار والاستدامة البيئية، مع تدبير التحديات الديمغرافية والمجالية الداخلية، للحفاظ على وتيرة نموها ومكانتها العالمية المتنامية.

تطبيق

تمرين 1 — عرّف المفاهيم التالية: المناطق الاقتصادية الخاصة، مبادرة الحزام والطريق، اشتراكية السوق ذات الخصائص الصينية.

تمرين 2 — أبرز أهم المقومات الطبيعية والبشرية التي ساهمت في الصعود الاقتصادي الصيني.

تمرين 3 — وضّح مراحل ومضامين سياسة الإصلاح والانفتاح التي أطلقها دنغ شياو بينغ سنة 1978.

تمرين 4 — لماذا توصف الصين بـ«ورشة العالم»؟ اعتمد في جوابك على معطيات الجدول الوارد في الدرس.

تمرين 5 — ما هي أهمية القطاع الفلاحي بالنسبة للصين رغم صعودها الصناعي الكبير؟

تمرين 6 — اشرح أهداف مبادرة «الحزام والطريق» ودورها في تعزيز النفوذ الاقتصادي الصيني عالميا.

تمرين 7 — حدد أهم حدود وتحديات النموذج الاقتصادي الصيني الراهن.

تمرين 8 — قارن بإيجاز بين مقومات قوة كل من الصين والولايات المتحدة الأمريكية كما درستهما في هذه الوحدة.

التصحيح

الجواب 1 — المناطق الاقتصادية الخاصة: مناطق صينية ساحلية مُنحت امتيازات جبائية وتنظيمية خاصة لجلب الاستثمارات الأجنبية منذ بداية سياسة الانفتاح، كمنطقة شنجن. مبادرة الحزام والطريق: مشروع صيني ضخم لتطوير شبكات النقل والطاقة تربط الصين بأسواق آسيا وإفريقيا وأوروبا لتعزيز نفوذها الاقتصادي عالميا. اشتراكية السوق ذات الخصائص الصينية: نموذج اقتصادي يجمع بين آليات اقتصاد السوق والانفتاح التجاري من جهة، والحفاظ على النظام السياسي القائم وتوجيه الدولة للاقتصاد من جهة أخرى.

الجواب 2 — تتوفر الصين على مساحة شاسعة وموارد باطنية متنوعة وسهول فلاحية خصبة، إضافة إلى أكبر عدد سكان في العالم تقريبا، وفر لها يدا عاملة وفيرة ورخيصة نسبيا وسوقا استهلاكية داخلية هائلة، وهي عوامل شكلت الأساس الذي انطلقت منه الإصلاحات الاقتصادية بعد 1978.

الجواب 3 — أطلق دنغ شياو بينغ سنة 1978 سياسة الإصلاح والانفتاح القائمة على إدخال آليات اقتصاد السوق تدريجيا مع الحفاظ على النظام السياسي، عبر إحداث مناطق اقتصادية خاصة كشنجن لجلب الاستثمارات الأجنبية، ثم فتح المدن الساحلية تدريجيا أمام الاستثمار، وصولا إلى الانخراط في منظمة التجارة العالمية سنة 2001 الذي عزز اندماج الصين في الاقتصاد العالمي.

الجواب 4 — توصف الصين بورشة العالم لأنها تهيمن على تصنيع وتصدير عدد كبير من المنتجات على المستوى العالمي، فهي أول منتج ومصدر للصلب، ومن أكبر منتجي ومصدري الإلكترونيك والهواتف الذكية، والمنتج الأول عالميا للألواح الشمسية، ومن كبار منتجي ومصدري السيارات، بما فيها السيارات الكهربائية، وهو ما يعكس ضخامة وتنوع نسيجها الصناعي.

الجواب 5 — يبقى القطاع الفلاحي حيويا للصين لأنه يضمن جزءا أساسيا من الأمن الغذائي لأكبر عدد سكان في العالم، رغم محدودية المساحات الفلاحية المتوفرة نسبيا، مما يفرض الاعتماد على الكثافة الإنتاجية العالية والتقنيات الحديثة لتعظيم المردودية، خاصة في زراعة الأرز والقمح.

الجواب 6 — تهدف مبادرة الحزام والطريق إلى بناء شبكات بنيات تحتية للنقل والطاقة تربط الصين بأسواق آسيا وإفريقيا وأوروبا، مما يسهل تصدير منتجاتها والوصول إلى الموارد الأولية، ويعزز في الوقت نفسه نفوذها الاقتصادي والجيوسياسي على المستوى العالمي عبر تمويل مشاريع كبرى في الدول الشريكة.

الجواب 7 — من أبرز التحديات: التلوث البيئي الحاد الناتج عن التصنيع المكثف، الفوارق المجالية الكبيرة بين الشرق الساحلي المصنع والغرب الداخلي الأقل نموا، شيخوخة السكان المتسارعة نتيجة سياسة الطفل الواحد سابقا، ارتفاع كلفة اليد العاملة، وتوترات تجارية مع بعض الشركاء الاقتصاديين الكبار.

الجواب 8 — تشترك الصين والولايات المتحدة في التوفر على مساحة شاسعة وموارد طبيعية متنوعة وعدد سكان كبير نسبيا، لكن الولايات المتحدة تتفوق في مجالات التكنولوجيا المتقدمة والخدمات المالية العالمية وثقل عملتها الدولية، بينما تستمد الصين قوتها بالأساس من ضخامة يدها العاملة وقدرتها الإنتاجية الصناعية الهائلة ومن سياسة انفتاح واستثمار خارجي متنامية عبر مبادرات كالحزام والطريق.

Laisser un commentaire

Défiler vers le haut