يعرف المجال المغربي، على غرار العديد من دول الجنوب، اختلالات مجالية تتجلى في تعايش أزمة حضرية بالمدن وأزمة أخرى بالبوادي. يتناول هذا الدرس مظاهر وأسباب أزمة المدينة والريف بالمغرب، وأهم أشكال التدخل التي اعتمدتها الدولة لمعالجة هذه الاختلالات في إطار سياسة التهيئة الحضرية والقروية.
مظاهر أزمة المدينة المغربية
تتعدد مظاهر الأزمة التي تعيشها المدينة المغربية، ومن أبرزها انتشار دور الصفيح والأحياء غير القانونية على أطراف المدن الكبرى، وازدحام السكن العتيق ببعض المدن التاريخية، إضافة إلى الضغط المتزايد على التجهيزات والخدمات العمومية (النقل، الماء، التطهير، التعليم، الصحة). كما تتجلى هذه الأزمة في تفاقم الاختناقات المرورية وتلوث الهواء، وارتفاع نسبة البطالة الحضرية خاصة في صفوف الشباب.
عوامل أزمة المدينة
ترتبط أزمة المدينة بعدة عوامل متداخلة، أبرزها النزوح الريفي المتواصل نحو المدن بحثا عن فرص الشغل والخدمات، إلى جانب النمو الديمغرافي الطبيعي المرتفع نسبيا داخل المدن نفسها، وضعف مواكبة التخطيط الحضري لهذا التوسع السريع، وقصور برامج السكن الاجتماعي عن تلبية الطلب المتنامي على السكن اللائق.
| الفترة | نسبة التمدين بالمغرب تقريبا |
|---|---|
| منتصف القرن العشرين | أقل من 30 بالمائة |
| نهاية القرن العشرين | حوالي 50 بالمائة |
| الوقت الحالي | تفوق 60 بالمائة |
يبين هذا الجدول التطور المطرد لنسبة التمدين بالمغرب، وهو ما يفسر جزئيا الضغط المتزايد الذي تعرفه المدن على مستوى التجهيزات والخدمات.
أشكال التدخل لمعالجة أزمة المدينة
لمواجهة هذه الاختلالات، اعتمدت السلطات العمومية عدة برامج وآليات، من أبرزها برامج محاربة السكن غير اللائق ودور الصفيح عبر إعادة الإسكان أو إعادة الهيكلة، وبرامج تأهيل المدن القديمة والحفاظ على تراثها العمراني، إضافة إلى إعداد تصاميم التهيئة الحضرية التي تنظم التوسع العمراني وتحدد استعمالات الأراضي، فضلا عن الاستثمار في مشاريع النقل الحضري الجماعي (الترامواي، الحافلات ذات الموقع الخاص) للحد من الاختناقات المرورية.
مظاهر أزمة الريف المغربي
يعيش الريف المغربي بدوره أزمة تتجلى في ضعف التجهيزات الأساسية ببعض المناطق (الطرق، الماء الصالح للشرب، الكهرباء، المرافق الصحية والتعليمية)، وارتفاع نسبة الفقر والهشاشة مقارنة بالمجال الحضري، إضافة إلى محدودية فرص الشغل خارج النشاط الفلاحي، مما يدفع فئة واسعة من الشباب القروي إلى الهجرة نحو المدن أو نحو الخارج.
عوامل أزمة الريف
ترجع أزمة الريف إلى عوامل متعددة، من أبرزها قساوة الظروف الطبيعية في بعض المناطق (الجبال، المناطق شبه الجافة والجافة) وتأثير التقلبات المناخية على الإنتاج الفلاحي، إضافة إلى صعوبة التضاريس التي تعيق ربط بعض الدواوير بشبكة الطرق، وضعف الاستثمارات العمومية والخاصة مقارنة بالمناطق الحضرية، وتفتت الملكية العقارية الفلاحية الذي يحد من إمكانية العصرنة الفلاحية.
أشكال التدخل في الوسط القروي
أطلقت الدولة مجموعة من البرامج لمعالجة أزمة الريف، من أهمها البرنامج الوطني للطرق القروية الذي وسع من نسبة ربط الدواوير بالشبكة الطرقية، وبرنامج تعميم الكهربة القروية الذي مكن من رفع نسبة ولوج الساكنة القروية للكهرباء بشكل كبير، وبرامج تعميم الماء الصالح للشرب بالبوادي، إضافة إلى مخططات تنموية فلاحية تستهدف دعم صغار الفلاحين وتثمين المنتجات المحلية.
خلاصة: نحو تهيئة متوازنة بين المدينة والريف
يتضح أن المدينة والريف بالمغرب يعرفان اختلالات متكاملة تستدعي معالجة مندمجة تراعي الروابط الوظيفية بينهما، بدل التعامل معهما كمجالين منفصلين. ويظل تحقيق التكامل بين التهيئة الحضرية والتنمية القروية رهانا أساسيا لتقليص الفوارق المجالية وتحقيق تنمية متوازنة على الصعيد الوطني.
تطبيق
تمرين 1 — اذكر ثلاثة من مظاهر أزمة المدينة المغربية.
تمرين 2 — ما هي العوامل الديمغرافية المفسرة لأزمة المدينة بالمغرب؟
تمرين 3 — انطلاقا من الجدول، صف تطور نسبة التمدين بالمغرب، وبيّن انعكاس ذلك على التجهيزات الحضرية.
تمرين 4 — اذكر شكلين من أشكال التدخل لمعالجة مشكل السكن غير اللائق بالمدن المغربية.
تمرين 5 — قارن بين مظاهر أزمة المدينة ومظاهر أزمة الريف بالمغرب.
تمرين 6 — حلل عاملا طبيعيا وعاملا اقتصاديا من عوامل أزمة الريف المغربي.
تمرين 7 — اذكر برنامجين من برامج التدخل في الوسط القروي بالمغرب، مع تحديد هدف كل واحد منهما.
تمرين 8 — لماذا يجب معالجة أزمة المدينة وأزمة الريف بشكل مندمج وليس بشكل منفصل؟
التصحيح
الجواب 1 — من مظاهر أزمة المدينة المغربية: انتشار دور الصفيح والأحياء غير القانونية، والضغط الكبير على التجهيزات والخدمات العمومية كالماء والنقل والتعليم، وتفاقم الاختناقات المرورية وتلوث الهواء.
الجواب 2 — ترجع أزمة المدينة ديمغرافيا إلى استمرار النزوح الريفي نحو المدن بحثا عن الشغل والخدمات، إضافة إلى النمو الديمغرافي الطبيعي المرتفع نسبيا داخل المدن نفسها، وهو ما يفوق أحيانا قدرة المدن على التوسع في تجهيزاتها ومرافقها بالوتيرة نفسها.
الجواب 3 — تظهر معطيات الجدول أن نسبة التمدين بالمغرب انتقلت من أقل من 30 بالمائة في منتصف القرن العشرين إلى ما يفوق 60 بالمائة حاليا، وهو تطور مطرد وسريع أدى إلى ضغط متزايد على التجهيزات الحضرية من ماء وكهرباء ونقل وسكن وتعليم وصحة، لم تواكبه دائما وتيرة مماثلة في التجهيز.
الجواب 4 — من أشكال التدخل: برامج محاربة السكن غير اللائق ودور الصفيح عبر إعادة الإسكان أو إعادة الهيكلة، وإعداد تصاميم التهيئة الحضرية التي تنظم التوسع العمراني وتحدد استعمالات الأراضي بشكل يحد من العشوائية.
الجواب 5 — تتجلى أزمة المدينة أساسا في السكن غير اللائق والضغط على التجهيزات والاختناقات المرورية نتيجة الاكتظاظ السكاني، بينما تتجلى أزمة الريف أساسا في ضعف التجهيزات الأساسية وارتفاع الفقر ومحدودية فرص الشغل، مع اشتراك المجالين في تحديات الهجرة (نزوح من الريف نحو المدينة).
الجواب 6 — من العوامل الطبيعية: قساوة الظروف المناخية في بعض المناطق الجبلية وشبه الجافة وتأثيرها السلبي على الإنتاج الفلاحي، إلى جانب صعوبة التضاريس التي تعيق ربط بعض الدواوير بالشبكة الطرقية. ومن العوامل الاقتصادية: ضعف الاستثمارات العمومية والخاصة في المجال القروي مقارنة بالمدن، وتفتت الملكية العقارية الفلاحية الذي يحد من إمكانية عصرنة الفلاحة.
الجواب 7 — من البرامج: البرنامج الوطني للطرق القروية الذي يهدف إلى تحسين ربط الدواوير بالشبكة الطرقية وتسهيل تنقل الساكنة، وبرنامج تعميم الكهربة القروية الذي يهدف إلى توسيع ولوج الساكنة القروية إلى الطاقة الكهربائية وتحسين ظروف عيشها.
الجواب 8 — لأن المدينة والريف مرتبطان بعلاقات وظيفية متبادلة (الهجرة، تزويد المدن بالمنتجات الفلاحية، تزويد الأرياف بالخدمات والتجهيزات)، فمعالجة أزمة أحدهما بمعزل عن الآخر قد تنقل المشكل من مجال إلى آخر بدل حله، بينما تسمح المعالجة المندمجة بتحقيق توازن مجالي حقيقي وتخفيف الضغط الناتج عن النزوح الريفي على المدن.



