شكلت الحرب العالمية الثانية (1939-1945) أعنف وأوسع نزاع مسلح عرفته البشرية، إذ امتدت رحاها إلى أغلب قارات العالم وأسفرت عن خسائر بشرية ومادية هائلة لم تعرف لها الإنسانية مثيلا من قبل. جاءت هذه الحرب نتيجة تراكم توترات سياسية واقتصادية وإيديولوجية عميقة خلفتها الحرب العالمية الأولى وأزمة 1929، ومهد لها صعود الأنظمة الشمولية والفاشية في أوروبا. سنتناول في هذا الدرس أهم أسباب اندلاع هذه الحرب ومراحلها الكبرى، وننتهي بدراسة نتائجها البشرية والمادية والسياسية التي أعادت رسم النظام العالمي.
الأسباب البعيدة للحرب: إرث معاهدة فرساي وصعود الشموليات
مهدت شروط معاهدة فرساي القاسية المفروضة على ألمانيا لبروز شعور عميق بالإذلال القومي استغلته الحركات اليمينية المتطرفة لكسب تأييد شعبي واسع. وقد استفاد أدولف هتلر وحزبه النازي من هذا المناخ، إضافة إلى الآثار المدمرة لأزمة 1929 على الاقتصاد الألماني (بطالة واسعة، انهيار مالي)، ليصل إلى السلطة سنة 1933 بشكل ديمقراطي قبل أن يحول ألمانيا إلى نظام دكتاتوري شمولي قائم على العنصرية والتوسع.
وبالتوازي، كانت إيطاليا الفاشية بقيادة موسوليني منذ 1922، واليابان العسكرية الطامحة للهيمنة في آسيا، تنتهجان سياسات توسعية عدوانية. اجتمعت هذه الأنظمة الثلاثة (ألمانيا وإيطاليا واليابان) على معاداة النظام الدولي القائم وعلى رفض قيود معاهدات الصلح، وشكلت فيما بعد محور برلين-روما-طوكيو.
الأسباب المباشرة: سياسة التوسع والعجز الدولي عن الردع
انتهجت ألمانيا النازية ابتداء من 1935 سياسة تسلح مكثفة خرقا لبنود معاهدة فرساي، ثم بدأت سلسلة من التوسعات: إعادة ضم إقليم السار (1935)، احتلال إقليم الراين المنزوع السلاح (1936)، ضم النمسا (الأنشلوس، 1938)، ثم ضم إقليم السوديت التشيكوسلوفاكي بموجب اتفاقية ميونيخ (شتنبر 1938) التي وافقت عليها فرنسا وبريطانيا في إطار سياسة الاسترضاء.
غير أن هذه السياسة لم توقف الأطماع النازية، إذ أقدمت ألمانيا على احتلال باقي تشيكوسلوفاكيا مطلع 1939، ثم وقعت مع الاتحاد السوفياتي معاهدة عدم اعتداء (أوت 1939) تضمنت اتفاقا سريا لتقاسم بولندا. وشكل غزو ألمانيا لبولندا يوم فاتح شتنبر 1939 الشرارة المباشرة للحرب، إذ أعلنت فرنسا وبريطانيا الحرب على ألمانيا تطبيقا لالتزاماتهما تجاه بولندا.
المراحل الكبرى للحرب في أوروبا وشمال إفريقيا
اعتمدت ألمانيا في بداية الحرب أسلوب "الحرب الخاطفة" (Blitzkrieg) القائم على السرعة والتنسيق بين المدرعات والطيران، فسيطرت خلال 1939-1940 على بولندا والدنمارك والنرويج وهولندا وبلجيكا وفرنسا. وفي 1941 غزت ألمانيا الاتحاد السوفياتي رغم معاهدة عدم الاعتداء بينهما، فاتحة بذلك جبهة شرقية واسعة ستكون حاسمة في مسار الحرب.
شكلت معركة ستالينغراد (1942-1943) نقطة تحول كبرى إذ منيت القوات الألمانية بهزيمة ثقيلة أمام الجيش الأحمر السوفياتي. وفي شمال إفريقيا، دارت معارك عنيفة بين قوات المحور وقوات الحلفاء (معركة العلمين بمصر 1942)، انتهت بانتصار الحلفاء وإنزالهم بشمال إفريقيا (المغرب والجزائر) نونبر 1942، وهو الحدث الذي مهد لتحرير أوروبا من الجنوب.
الحرب في المحيط الهادئ ونهاية الحرب
في المحيط الهادئ، دخلت اليابان الحرب بشكل مباشر بعد هجومها المفاجئ على القاعدة الأمريكية بيرل هاربور في 7 دجنبر 1941، مما دفع الولايات المتحدة الأمريكية إلى دخول الحرب رسميا إلى جانب الحلفاء. وشهدت هذه الجبهة معارك بحرية وجوية عنيفة توجت بتفوق أمريكي تدريجي على القوات اليابانية.
وفي أوروبا، نجح الحلفاء في إنزال النورماندي بفرنسا يوم 6 يونيو 1944، مما فتح جبهة غربية حاسمة أدت إلى تحرير فرنسا وتقدم الحلفاء نحو الأراضي الألمانية، بينما كان الجيش الأحمر يزحف من الشرق، لينتهي الأمر بسقوط برلين واستسلام ألمانيا في 8 ماي 1945. أما اليابان، فقد استسلمت في شتنبر 1945 بعد إلقاء الولايات المتحدة قنبلتين ذريتين على مدينتي هيروشيما (6 غشت 1945) وناكازاكي (9 غشت 1945)، لتضع بذلك حدا نهائيا للحرب العالمية الثانية.
النتائج البشرية والإنسانية للحرب
خلفت الحرب العالمية الثانية خسائر بشرية غير مسبوقة تجاوزت خمسين مليون قتيل بين عسكريين ومدنيين، إضافة إلى ملايين الجرحى والمعطوبين والمشردين. وشكلت المحرقة (الهولوكوست) التي تعرض لها اليهود الأوروبيون على يد النظام النازي، والتي راح ضحيتها ما يقارب ستة ملايين شخص في معسكرات الإبادة، إحدى أبشع الجرائم ضد الإنسانية في التاريخ المعاصر.
وقد طال الدمار المدن والبنية التحتية في أوروبا وآسيا (القصف الجوي الواسع للمدن الألمانية واليابانية، الدمار الشامل الناجم عن القنبلتين الذريتين)، مخلفا ملايين المشردين واللاجئين وأزمات إنسانية حادة استمرت سنوات بعد انتهاء الحرب.
النتائج المادية والاقتصادية
خرجت أوروبا من الحرب في وضعية اقتصادية كارثية، بتدمير واسع للمصانع والمزارع وشبكات النقل والمواصلات، وانهيار العملات وتفشي الندرة والتقنين. في المقابل، خرجت الولايات المتحدة الأمريكية من الحرب في وضعية اقتصادية قوية جدا، إذ لم تتعرض أراضيها للدمار، وتضاعف إنتاجها الصناعي بفضل المجهود الحربي، لتصبح القوة الاقتصادية والمالية الأولى في العالم ومصدر التمويل الأساسي لإعادة إعمار أوروبا عبر مشروع مارشال بعد الحرب.
النتائج السياسية: نظام عالمي جديد
أسفرت الحرب عن تغييرات سياسية جذرية في موازين القوى الدولية. فقد تراجعت مكانة أوروبا التقليدية لفائدة قوتين عظميين جديدتين هما الولايات المتحدة الأمريكية (زعيمة المعسكر الرأسمالي الغربي) والاتحاد السوفياتي (زعيم المعسكر الاشتراكي الشرقي)، في إطار ما سيعرف لاحقا بالحرب الباردة وانقسام العالم إلى معسكرين متنافسين.
وعلى المستوى المؤسساتي، تأسست منظمة الأمم المتحدة سنة 1945 خلفا لعصبة الأمم الفاشلة، بهدف الحفاظ على السلم والأمن الدوليين، مع منح خمس دول كبرى (الولايات المتحدة، الاتحاد السوفياتي، بريطانيا، فرنسا، الصين) عضوية دائمة وحق النقض (الفيتو) في مجلس الأمن. كما شكلت الحرب منعطفا حاسما سرّع من حركات التحرر الوطني في المستعمرات الآسيوية والإفريقية التي استغلت إضعاف الدول الاستعمارية الأوروبية للمطالبة باستقلالها.
| الحدث | التاريخ |
|---|---|
| غزو ألمانيا لبولندا (بداية الحرب) | فاتح شتنبر 1939 |
| الهجوم الألماني على الاتحاد السوفياتي | يونيو 1941 |
| هجوم بيرل هاربور ودخول الولايات المتحدة الحرب | 7 دجنبر 1941 |
| إنزال الحلفاء بشمال إفريقيا | نونبر 1942 |
| معركة ستالينغراد (تحول موازين الحرب) | 1942-1943 |
| إنزال النورماندي | 6 يونيو 1944 |
| استسلام ألمانيا | 8 ماي 1945 |
| القنبلتان الذريتان واستسلام اليابان | غشت 1945 |
تطبيق
تمرين 1 — عرّف المفاهيم التالية: الحرب الخاطفة، المحور، الحلفاء، الهولوكوست (المحرقة).
تمرين 2 — اشرح كيف مهدت شروط معاهدة فرساي وأزمة 1929 لصعود النازية في ألمانيا.
تمرين 3 — رتب زمنيا أهم مراحل التوسع الألماني بين 1935 و1939، مبرزا موقف فرنسا وبريطانيا منها.
تمرين 4 — بيّن الحدث الذي شكل الشرارة المباشرة لاندلاع الحرب العالمية الثانية، مع ذكر تاريخه.
تمرين 5 — وضح أهمية كل من معركة ستالينغراد وإنزال النورماندي في مسار الحرب.
تمرين 6 — أبرز الظروف التي دفعت الولايات المتحدة الأمريكية إلى الدخول المباشر في الحرب.
تمرين 7 — قارن بين الوضعية الاقتصادية لأوروبا والولايات المتحدة الأمريكية غداة الحرب العالمية الثانية.
تمرين 8 — بيّن الأسس التي قام عليها النظام الدولي الجديد بعد الحرب العالمية الثانية (هيئة الأمم المتحدة وميزان القوى).
التصحيح
الجواب 1 — الحرب الخاطفة: أسلوب حربي ألماني قائم على الهجوم السريع المنسق بين المدرعات والطيران لتحقيق انتصارات خاطفة. المحور: التحالف الذي ضم ألمانيا وإيطاليا واليابان. الحلفاء: التحالف الذي ضم بريطانيا وفرنسا ثم الاتحاد السوفياتي والولايات المتحدة الأمريكية ودولا أخرى في مواجهة المحور. الهولوكوست: الإبادة الجماعية التي تعرض لها اليهود الأوروبيون على يد النظام النازي وراح ضحيتها نحو ستة ملايين شخص.
الجواب 2 — خلقت شروط معاهدة فرساي القاسية (اقتطاع الأراضي، التعويضات المالية، نزع السلاح) شعورا بالإذلال القومي لدى الألمان، بينما فاقمت أزمة 1929 من البطالة والانهيار الاقتصادي. استغل هتلر وحزبه النازي هذا المناخ لتقديم نفسه كمنقذ قادر على استعادة كرامة ألمانيا وقوتها، فوصل إلى السلطة سنة 1933 بدعم شعبي واسع قبل أن يقيم نظاما دكتاتوريا توسعيا.
الجواب 3 — 1935: إعادة ضم إقليم السار وبدء التسلح المكثف. 1936: احتلال إقليم الراين المنزوع السلاح. 1938: ضم النمسا (الأنشلوس) ثم ضم إقليم السوديت التشيكوسلوفاكي بموجب اتفاقية ميونيخ. اكتفت فرنسا وبريطانيا في هذه المرحلة بسياسة الاسترضاء والتنازل تجنبا لحرب جديدة، مما شجع هتلر على مواصلة توسعه.
الجواب 4 — شكل غزو ألمانيا لبولندا يوم فاتح شتنبر 1939 الشرارة المباشرة للحرب، إذ أعلنت فرنسا وبريطانيا الحرب على ألمانيا تطبيقا لالتزاماتهما الدفاعية تجاه بولندا.
الجواب 5 — شكلت معركة ستالينغراد (1942-1943) نقطة تحول حاسمة إذ منيت ألمانيا بأول هزيمة كبرى على الجبهة الشرقية وبدأ تراجعها أمام الجيش الأحمر. أما إنزال النورماندي (6 يونيو 1944) ففتح جبهة غربية حاسمة سمحت للحلفاء بتحرير فرنسا والتقدم نحو ألمانيا، فأصبحت محاصرة بين جبهتين أديتا إلى سقوطها النهائي سنة 1945.
الجواب 6 — دخلت الولايات المتحدة الحرب بشكل مباشر بعد الهجوم الياباني المفاجئ على قاعدتها البحرية بيرل هاربور في 7 دجنبر 1941، وهو ما اعتبرته الولايات المتحدة عدوانا مباشرا استدعى ردا عسكريا شاملا ضد اليابان ثم ضد المحور بأكمله.
الجواب 7 — خرجت أوروبا من الحرب بأراض مدمرة ومصانع ومزارع مهدمة وعملات منهارة واقتصاد مشلول يحتاج إعادة إعمار طويلة. في المقابل خرجت الولايات المتحدة بأراض لم تمسها الحرب واقتصاد قوي تضاعف إنتاجه الصناعي، مما جعلها القوة الاقتصادية والمالية الأولى عالميا والممول الرئيسي لإعادة إعمار أوروبا.
الجواب 8 — قام النظام الدولي الجديد على تأسيس هيئة الأمم المتحدة سنة 1945 لضمان السلم العالمي، مع منح خمس دول كبرى مقاعد دائمة وحق النقض في مجلس الأمن. كما تميز هذا النظام ببروز قوتين عظميين متنافستين (الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي) وانقسام العالم إلى معسكرين إيديولوجيين متعارضين مهدا لمرحلة الحرب الباردة.



