اللغة – الأولى باك

تأطير إشكالي عام

تعد اللغة من أبرز الخصائص التي يتميز بها الإنسان عن باقي الكائنات الحية، فهي وسيلته إلى التواصل والتفكير والتعبير عن ذاته وعن العالم من حوله. ولا يقتصر دور اللغة على نقل المعلومات فحسب، بل يذهب بعض الفلاسفة إلى أنها الشرط الذي يجعل الفكر ممكنا أصلا، بحيث لا يوجد فكر إنساني واضح ومتماسك خارج صيغة لغوية تعبر عنه.

غير أن طبيعة اللغة وعلاقتها بالفكر تظل موضع جدل فلسفي كبير: هل اللغة مجرد نسق من العلامات الاصطلاحية التي يتفق عليها البشر، أم أنها معطى طبيعي وغريزي فيهم؟ وهل هي مجرد أداة أو وعاء ينقل فكرا سابقا عليها، أم أنها هي التي تصنع الفكر وتحدد شكله؟ وهل تستطيع اللغة أن تعبر عن كل تجربتنا الذاتية الداخلية، أم أن هناك ما يفيض عنها ويستعصي على القول؟

المحور الأول — اللغة نسق اصطلاحي من العلامات

يعتبر اللساني السويسري فردينان دي سوسير (Saussure) اللغة نسقا من العلامات (Signes) يتكون كل منها من دال (الصورة الصوتية) ومدلول (المفهوم)، والعلاقة بينهما اعتباطية أو اصطلاحية غير طبيعية، إذ لا رابط منطقي يفرض أن يدل لفظ «شجرة» على هذا المفهوم بالذات دون غيره. كما يميز سوسير بين اللسان (Langue) بوصفه نظاما اجتماعيا مشتركا مجردا، والكلام (Parole) بوصفه الاستعمال الفردي الملموس لهذا النظام، وتكتسب العلامات اللغوية قيمتها ليس من ذاتها بل من موقعها داخل شبكة الاختلافات مع باقي العلامات.

ويلتقي مع هذا الطرح، من زاوية أخرى، اللغوي العربي ابن جني في كتابه «الخصائص»، حين يعرّف اللغة بأنها «أصوات يعبّر بها كل قوم عن أغراضهم»، مؤكدا أن أغلب أهل النظر يرون أن اللغة اصطلاح وتواضع بين البشر وليست وحيا أو توقيفا إلهيا، وإن كان لا يستبعد كليا أن تكون فطرة أو غريزة إنسانية طبيعية، جامعا بذلك بين البعد الاصطلاحي والبعد الطبيعي للغة.

المحور الثاني — اللغة تعبير عن الفكر وشرط للوعي بالذات

يرى الفيلسوف الألماني هيغل (Hegel) أن اللغة ليست مجرد أداة خارجية تعبر عن فكر جاهز سلفا، بل هي الوسيط الضروري الذي يتحقق به الفكر ويصير محددا وواضحا لصاحبه وللآخرين؛ فالفكرة الغامضة في الذهن لا تصبح فكرة حقيقية إلا حين تتجسد في كلمة، بحيث يقول هيغل إننا نفكر «داخل» الكلمات لا بواسطتها فقط، وأن الروح لا تعي ذاتها إلا عبر تجليها اللغوي.

ويعمّق الفيلسوف الألماني إرنست كاسيرر (Cassirer) هذا الطرح حين يعرّف الإنسان بأنه «حيوان رامز» (Animal symbolicum)، أي كائن لا يتعامل مع الواقع مباشرة كباقي الحيوانات، بل عبر منظومة من الأشكال الرمزية كاللغة والأسطورة والفن والعلم، تتوسط بينه وبين العالم وتصنع له كونا إنسانيا خاصا. فاللغة بهذا المعنى ليست مجرد وسيلة تواصل، بل هي التي تشكل تجربة الإنسان بالعالم وتؤسس لكل معرفة وثقافة إنسانية.

المحور الثالث — حدود اللغة في التعبير عن التجربة الذاتية

على خلاف من يرى في اللغة شرط الفكر، يشكك الفيلسوف الفرنسي هنري برغسون (Bergson) في قدرتها على التعبير عن العمق الحقيقي للحياة النفسية، معتبرا أن اللغة بطبيعتها الاجتماعية تعمم وتقطّع تجربتنا الداخلية المتصلة (الديمومة) إلى وحدات ثابتة ومنفصلة تشبه الأشياء المكانية، فتخون بذلك غنى الشعور الحي وتجعله يبدو أفقر وأكثر جمودا مما هو عليه فعلا.

ومن زاوية قريبة، يرى الفيلسوف السويسري جان جاك روسو (Rousseau) في كتابه «مقالة في أصل اللغات» أن اللغات الأولى لم تنشأ من حاجة عقلية حسابية بل من الانفعالات والعواطف، فكانت لغة شاعرية موسيقية قبل أن تتحول مع تطور المجتمعات إلى لغة عقلانية جافة أقرب إلى الحساب منها إلى التعبير عن الوجدان، وهو ما يفسر في نظره تراجع القدرة التعبيرية للغة مع تقدم الحضارة.

التركيب العام والخاتمة

يتضح من خلال هذه المحاور أن اللغة ظاهرة مركبة تجمع بين البعد الاصطلاحي الاجتماعي كما بيّن سوسير وابن جني، والبعد التأسيسي للفكر والوعي كما أكد هيغل وكاسيرر، دون أن تخلو من حدود في التعبير عن غنى التجربة الذاتية كما نبّه برغسون وروسو. وهذا التوتر بين قدرة اللغة على بناء الفكر والثقافة الإنسانية وبين عجزها أحيانا عن الإحاطة بكل أعماق الذات، هو ما يجعل من اللغة مجالا خصبا للتأمل الفلسفي المتجدد، ويذكّر بأن التواصل الإنساني، رغم أهميته القصوى، يظل مشروعا مفتوحا لا يكتمل أبدا كليا.

إشكال للتفكير

سؤال 1 — هل اللغة مجرد أداة للتواصل أم شرط أساسي للتفكير؟

سؤال 2 — ما المقصود بالطابع الاصطلاحي للعلامة اللغوية عند سوسير؟

سؤال 3 — كيف يميز سوسير بين اللسان والكلام؟

سؤال 4 — ما رأي ابن جني في أصل اللغة؟

سؤال 5 — لماذا يعتبر كاسيرر الإنسان «حيوانا رامزا»؟

سؤال 6 — هل تستطيع اللغة التعبير عن كل التجربة الذاتية للإنسان؟

عناصر الجواب

عنصر 1 — حسب هيغل وكاسيرر، اللغة ليست أداة خارجية فقط بل شرط أساسي يجعل الفكر ممكنا ومحددا وواضحا، فالفكر لا يتحقق فعليا إلا حين يتجسد في صيغة لغوية.

عنصر 2 — يقصد بالطابع الاصطلاحي عند سوسير أن العلاقة بين الدال والمدلول تحكمية غير طبيعية، فلا يوجد رابط منطقي ضروري يفرض ارتباط لفظ معين بمفهوم بعينه دون غيره.

عنصر 3 — يميز سوسير بين اللسان بوصفه نظاما اجتماعيا مجردا مشتركا بين أفراد جماعة لغوية، والكلام بوصفه الاستعمال الفردي الملموس والفعلي لهذا النظام من طرف كل متكلم.

عنصر 4 — يرى ابن جني في كتاب «الخصائص» أن اللغة أصوات يعبر بها كل قوم عن أغراضهم، وأن أغلب أهل النظر يرجحون أنها اصطلاح وتواضع بشري لا وحي أو توقيف إلهي.

عنصر 5 — يعتبره كذلك لأن الإنسان، خلافا للحيوان، لا يتعامل مع الواقع مباشرة بل عبر أشكال رمزية كاللغة والأسطورة والفن والعلم تتوسط علاقته بالعالم وتشكل تجربته الإنسانية.

عنصر 6 — لا تستطيع ذلك كليا حسب برغسون، لأن طابعها الاجتماعي العام يقطّع ويجمّد الديمومة النفسية المتصلة، فتخون بذلك غنى الشعور الداخلي وتعممه في قوالب جاهزة.

Laisser un commentaire

Défiler vers le haut