الشغل – الأولى باك

تأطير إشكالي عام

يحتل الشغل مكانة مركزية في الوجود الإنساني، فهو النشاط الذي يحول به الإنسان الطبيعة الخام إلى موارد وأشياء تلبي حاجاته، ويطبع بذلك بصمته على العالم من حوله. وخلافا للحيوان الذي يتكيف مع بيئته بغريزته، يخلق الإنسان عبر شغله وسطا اصطناعيا يلائم وجوده، مما جعل بعض الفلاسفة يعتبرون الشغل خاصية إنسانية جوهرية تميز الإنسان عن باقي الكائنات.

غير أن هذا النشاط الذي يفترض أن يكون تحقيقا لإنسانية الإنسان، قد يتحول في ظروف تاريخية واجتماعية معينة إلى مصدر قهر واغتراب. فهل الشغل وسيلة تحقيق الذات وتحرر الوعي، أم أنه في النظام الرأسمالي أداة استغلال وإذلال للعامل؟ وهل كل نشاط إنساني يمكن تسميته شغلا، أم أن هناك تمييزا جوهريا بين أشكال مختلفة من النشاط الإنساني؟

المحور الأول — الشغل تحقيق للوعي الذاتي وأنسنة للطبيعة

يقدم الفيلسوف الألماني هيغل (Hegel) في كتابه «فينومينولوجيا الروح» تحليلا عميقا لدور الشغل في تكوين الوعي الذاتي، من خلال جدلية السيد والعبد الشهيرة. فبينما يكتفي السيد باستهلاك الأشياء والاستمتاع بها دون أن يغيّر فيها شيئا، يضطر العبد، عبر شغله وتحويله للمادة الخام، إلى ضبط رغباته المباشرة وتأجيل إشباعها، فيكتسب بذلك انضباطا وموضوعية يفتقدهما السيد. والنتيجة المفارقة عند هيغل أن العبد، عبر عمله على الطبيعة، يطبع فيها أثر وعيه ويتعرف على ذاته في المنتَج الذي صنعه، فيصل تدريجيا إلى وعي ذاتي أرسخ وأكثر حرية من السيد الذي يبقى وعيه معلقا باعتراف الآخر واستهلاكه فقط.

المحور الثاني — الشغل المغترب في النظام الرأسمالي

ينتقد الفيلسوف الألماني كارل ماركس (Marx) في «مخطوطات 1844» هذا التصور المثالي للشغل، مبينا أن العامل في ظل النظام الرأسمالي يعيش شكلا عميقا من الاغتراب. فهو مغترب عن نتاج عمله الذي يصبح ملكا للرأسمالي لا له، ومغترب عن فعل الإنتاج ذاته الذي يصير نشاطا قسريا مفروضا لا تلقائيا حرا، ومغترب عن «جوهره النوعي» (Espèce) بوصفه كائنا مبدعا حرا يميزه عن الحيوان، وأخيرا مغترب عن غيره من البشر بسبب علاقات التنافس والاستغلال التي يفرضها نظام الملكية الخاصة. فبدل أن يكون الشغل تحقيقا للذات كما تصوره هيغل، يصير عند ماركس وسيلة بقاء بيولوجي محضة تُفرغ الإنسان من إنسانيته.

المحور الثالث — التمييز بين الكدح والعمل والفعل

تقدم المفكرة الألمانية الأمريكية حنا أرندت (Arendt) في كتابها «الوضع البشري» (The Human Condition) تمييزا دقيقا بين ثلاثة أشكال من النشاط الإنساني: «الكدح» (Labor)، وهو النشاط البيولوجي الدوري المتكرر المرتبط بضرورات البقاء كإنتاج الغذاء، وينتهي أثره بمجرد استهلاكه؛ و«العمل» (Work)، وهو صناعة الأشياء والأدوات الدائمة التي تشكل عالما اصطناعيا يدوم عبر الزمن؛ و«الفعل» (Action)، وهو النشاط السياسي الحر الذي يمارسه البشر فيما بينهم عبر الكلام والمبادرة داخل الفضاء العمومي. وتحذر أرندت من أن المجتمعات الحديثة، بهيمنة منطق الإنتاج والاستهلاك، رفعت من شأن «الكدح» على حساب «الفعل» السياسي الحر، مما يهدد بتحويل الإنسان إلى مجرد «حيوان كادح» (Animal laborans) يفقد بعده السياسي والإبداعي الأصيل.

التركيب العام والخاتمة

تكشف هذه المحاور أن الشغل ظاهرة مزدوجة الدلالة: فهو عند هيغل مسار تحرري يصنع الوعي الذاتي، وعند ماركس قد ينقلب إلى اغتراب حين تحكمه علاقات الاستغلال الرأسمالي، بينما تدعونا أرندت إلى عدم اختزال النشاط الإنساني كله في بعده الإنتاجي الكادح، والانتباه إلى أبعاده الإبداعية والسياسية الأرقى. وهكذا يظل السؤال الفلسفي مطروحا حول الشروط الواجب توفرها حتى يستعيد الشغل معناه الأصيل كتحقيق للذات وأنسنة للعالم، بدل أن يبقى مجرد وسيلة بقاء أو استغلال يُفرغ الإنسان من كرامته وحريته.

إشكال للتفكير

سؤال 1 — كيف يفسر هيغل دور الشغل في جدلية السيد والعبد؟

سؤال 2 — ما المقصود بالاغتراب في الشغل عند ماركس؟

سؤال 3 — ما أبعاد الاغتراب الأربعة عند ماركس؟

سؤال 4 — كيف تميز حنا أرندت بين الكدح والعمل والفعل؟

سؤال 5 — هل الشغل دائما وسيلة تحرر للإنسان؟

سؤال 6 — ما خطر هيمنة «الكدح» على المجتمعات الحديثة حسب أرندت؟

عناصر الجواب

عنصر 1 — يرى هيغل أن العبد، بخلاف السيد المكتفي بالاستهلاك، يضبط رغباته ويحول المادة عبر شغله فيطبع فيها وعيه، مما يجعله يبلغ وعيا ذاتيا أرسخ وأكثر استقلالية من السيد.

عنصر 2 — الاغتراب في الشغل عند ماركس هو شعور العامل بأن نشاطه ونتاجه أصبحا غريبين عنه، خاضعين لغيره، لا يحققان ذاته بل يفرغانه من إنسانيته لصالح الرأسمالي المالك لوسائل الإنتاج.

عنصر 3 — يحدد ماركس أربعة أبعاد للاغتراب: عن نتاج العمل، عن فعل الإنتاج ذاته، عن الجوهر النوعي الإبداعي للإنسان، وعن باقي البشر بسبب علاقات التنافس والاستغلال.

عنصر 4 — تميز أرندت بين الكدح المرتبط بضرورات البقاء البيولوجي المتكرر، والعمل المرتبط بصناعة أشياء دائمة، والفعل المرتبط بالنشاط السياسي الحر عبر الكلام والمبادرة بين البشر.

عنصر 5 — ليس دائما، فهو تحرري عند هيغل حين يبني الوعي الذاتي، لكنه قد يتحول إلى اغتراب واستلاب حسب ماركس متى خضع لعلاقات إنتاج رأسمالية استغلالية.

عنصر 6 — تحذر أرندت من أن هيمنة منطق الكدح والاستهلاك على المجتمعات الحديثة تهدد بتحويل الإنسان إلى «حيوان كادح» يفقد بعده السياسي والإبداعي الأصيل داخل الفضاء العمومي.

Laisser un commentaire

Défiler vers le haut