التهيئة الريفية: أزمة الريف وأشكال التدخل – الأولى باك (آداب وعلوم إنسانية)

يختتم هذا الدرس وحدات السداسي الأول بدراسة التهيئة الريفية، في امتداد لدرس التهيئة الحضرية السابق، لكن بالتركيز هذه المرة على العالم القروي المغربي ومظاهر الأزمة التي يعرفها من فقر وعزلة وهجرة، قبل التطرق لمختلف البرامج والسياسات العمومية التي اعتمدها المغرب لتحقيق تنمية قروية شاملة ومندمجة تقلص الفوارق بين الوسطين الحضري والقروي.

خصائص المجال الريفي المغربي

يمثل المجال القروي بالمغرب نحو 37 في المائة من مجموع السكان حسب آخر الإحصائيات، ويتميز بتشتت السكان على مساحات واسعة وضعف الكثافة السكانية مقارنة بالمدن، إضافة إلى غلبة النشاط الفلاحي والرعوي كمصدر رئيسي للدخل. كما يتميز هذا المجال بتضاريس متنوعة تتراوح بين السهول الفلاحية الخصبة والمناطق الجبلية الوعرة والمناطق الصحراوية وشبه الصحراوية، وهو ما ينعكس على تفاوت مستويات المعيشة بين مختلف المناطق القروية.

مظاهر أزمة الريف: الفقر والهشاشة

لا يزال العالم القروي يسجل معدلات فقر وهشاشة أعلى مقارنة بالوسط الحضري، ويعزى ذلك أساسا إلى محدودية مصادر الدخل المرتبطة بشكل كبير بنشاط فلاحي هش ومرتبط بالتساقطات المطرية، وضعف فرص الشغل خارج القطاع الفلاحي، إضافة إلى ضعف الولوج إلى التعليم والتكوين المهني في بعض المناطق النائية، مما يحد من فرص الارتقاء الاجتماعي لساكنة هذه المناطق.

العزلة والتجهيزات الأساسية الناقصة

تعاني نسبة مهمة من الجماعات القروية، خاصة الجبلية منها، من عزلة جغرافية ناتجة عن ضعف أو غياب الطرق المعبدة، مما يصعب الولوج إلى الخدمات الصحية والتعليمية والإدارية خاصة خلال فصل الشتاء. ويوضح الجدول التالي تطور بعض مؤشرات التجهيز الأساسي بالعالم القروي خلال العقود الأخيرة:

المؤشر الوضعية قبل البرامج الكبرى الوضعية الحالية التقريبية
نسبة الربط بالكهرباء القروية أقل من 20 في المائة (تسعينيات) تفوق 99 في المائة
نسبة الولوج للماء الصالح للشرب أقل من 15 في المائة (تسعينيات) تفوق 97 في المائة
نسبة السكان القرويين القريبين من طريق معبدة أقل من 40 في المائة تفوق 80 في المائة

الهجرة القروية: الأسباب والنتائج

تشكل الهجرة القروية نحو المدن نتيجة مباشرة لأزمة الريف، وتعود أسبابها أساسا إلى محدودية فرص الشغل بالمجال القروي، وتكرر سنوات الجفاف التي تضعف المداخيل الفلاحية، وضعف التجهيزات الأساسية مقارنة بالمدن. وتترتب عن هذه الهجرة نتائج متعددة، منها تفريغ بعض المناطق القروية من قواها العاملة الشابة، مقابل تفاقم الضغط على المرافق والخدمات الحضرية في المدن المستقبلة، كما سبقت الإشارة إليه في درس التهيئة الحضرية.

البرنامج الوطني للطرق القروية

يعد البرنامج الوطني للطرق القروية من أهم الأوراش التي أطلقها المغرب لفك العزلة عن الجماعات القروية، إذ مكن من بناء وتأهيل آلاف الكيلومترات من الطرق منذ انطلاقه في تسعينيات القرن الماضي، مما ساهم في رفع نسبة السكان القرويين المستفيدين من قرب طريق معبدة إلى أكثر من 80 في المائة، وتسهيل ولوجهم للخدمات الصحية والتعليمية والأسواق المحلية.

برنامج كهربة العالم القروي والماء الصالح للشرب

إلى جانب برنامج الطرق، أطلق المغرب البرنامج العالمي لكهربة العالم القروي الذي رفع نسبة الربط بالكهرباء في البوادي من أقل من 20 في المائة في تسعينيات القرن الماضي إلى ما يفوق 99 في المائة حاليا، وكذا برنامج تعميم الماء الصالح للشرب بالعالم القروي الذي حسن بشكل كبير نسبة الولوج إلى هذه المادة الحيوية، وهو ما ساهم في تحسين ملموس لظروف العيش اليومي لساكنة البوادي.

المبادرة الوطنية للتنمية البشرية في الوسط القروي

تستهدف المبادرة الوطنية للتنمية البشرية، التي سبق التطرق إليها في درس الموارد البشرية، عددا مهما من الجماعات القروية الأكثر فقرا وهشاشة، عبر تمويل مشاريع مدرة للدخل (تربية المواشي، الفلاحة المعيشية، الصناعة التقليدية)، وبناء أو تأهيل مرافق اجتماعية أساسية كالمدارس الجماعاتية والمستوصفات الصحية بالمناطق النائية، بما يساهم في تحسين مستوى التنمية البشرية بهذه المناطق.

حصيلة وتحديات التنمية القروية المستدامة

حققت هذه البرامج مجتمعة تحسنا ملموسا في مؤشرات التجهيز الأساسي بالعالم القروي، كما يبين الجدول أعلاه، غير أن تحديات عديدة لا تزال قائمة أمام تحقيق تنمية قروية مستدامة، أبرزها ضرورة تنويع مصادر الدخل القروي بعيدا عن الاعتماد الحصري على الفلاحة المطرية، وتعزيز الولوج إلى التعليم الجيد والتكوين المهني الملائم لحاجيات سوق الشغل المحلية، إضافة إلى مواجهة تداعيات التغيرات المناخية وتوالي سنوات الجفاف التي تهدد استقرار الساكنة القروية ومداخيلها.

تطبيق

تمرين 1 — ما هي أبرز خصائص المجال الريفي المغربي من حيث السكان والنشاط الاقتصادي؟

تمرين 2 — اشرح أسباب استمرار الفقر والهشاشة في العالم القروي مقارنة بالمدن.

تمرين 3 — اعتمادا على الجدول، صف تطور نسبة الربط بالكهرباء والماء الصالح للشرب بالعالم القروي.

تمرين 4 — حدد أسباب ونتائج الهجرة القروية.

تمرين 5 — ما هو البرنامج الوطني للطرق القروية؟ وما أثره على فك العزلة عن البوادي؟

تمرين 6 — اذكر برنامجين آخرين، غير برنامج الطرق، ساهما في تحسين ظروف العيش بالعالم القروي.

تمرين 7 — ما هو دور المبادرة الوطنية للتنمية البشرية في المجال القروي؟

تمرين 8 — ميز بين موضوع درس التهيئة الحضرية وموضوع درس التهيئة الريفية من حيث المجال المستهدف والإشكاليات المطروحة.

التصحيح

الجواب 1 — يمثل المجال القروي نحو 37 في المائة من سكان المغرب، ويتميز بتشتت السكان على مساحات واسعة وضعف الكثافة السكانية، وغلبة النشاط الفلاحي والرعوي كمصدر رئيسي للدخل، مع تنوع تضاريسي بين السهول والجبال والمناطق شبه الصحراوية.

الجواب 2 — يعود استمرار الفقر والهشاشة بالعالم القروي إلى محدودية مصادر الدخل المرتبطة بنشاط فلاحي هش يعتمد على التساقطات المطرية، وضعف فرص الشغل خارج الفلاحة، وضعف الولوج إلى التعليم والتكوين المهني في بعض المناطق النائية.

الجواب 3 — عرفت هذه المؤشرات تحسنا كبيرا؛ إذ ارتفعت نسبة الربط بالكهرباء القروية من أقل من 20 في المائة في تسعينيات القرن الماضي إلى ما يفوق 99 في المائة حاليا، كما ارتفعت نسبة الولوج للماء الصالح للشرب من أقل من 15 في المائة إلى ما يفوق 97 في المائة خلال نفس الفترة تقريبا.

الجواب 4 — تعود أسباب الهجرة القروية إلى محدودية فرص الشغل بالبادية وتكرر سنوات الجفاف وضعف التجهيزات الأساسية مقارنة بالمدن، وتنتج عنها نتائج من بينها تفريغ بعض المناطق القروية من قواها العاملة الشابة، وتفاقم الضغط على المرافق والخدمات الحضرية في المدن المستقبلة.

الجواب 5 — البرنامج الوطني للطرق القروية برنامج أطلقه المغرب في تسعينيات القرن الماضي لبناء وتأهيل الطرق في المناطق القروية، وقد ساهم في رفع نسبة السكان القرويين المستفيدين من قرب طريق معبدة إلى أكثر من 80 في المائة، مما سهل ولوجهم للخدمات الصحية والتعليمية والأسواق المحلية.

الجواب 6 — من البرامج الأخرى: البرنامج العالمي لكهربة العالم القروي الذي رفع نسبة الربط بالكهرباء إلى أزيد من 99 في المائة، وبرنامج تعميم الماء الصالح للشرب بالعالم القروي الذي حسن نسبة الولوج إلى هذه المادة الحيوية بشكل كبير.

الجواب 7 — تستهدف المبادرة الوطنية للتنمية البشرية الجماعات القروية الأكثر فقرا وهشاشة، عبر تمويل مشاريع مدرة للدخل كتربية المواشي والصناعة التقليدية، وبناء أو تأهيل مرافق اجتماعية أساسية كالمدارس الجماعاتية والمستوصفات الصحية بالمناطق النائية.

الجواب 8 — يركز درس التهيئة الحضرية على مشاكل المدينة كدور الصفيح والسكن غير اللائق ونقص التجهيزات الحضرية وبرامج معالجتها، بينما يركز درس التهيئة الريفية على مشاكل البادية كالفقر والعزلة والهجرة القروية والبرامج الخاصة بفك العزلة وتجهيز العالم القروي، مما يجعل الدرسين متكاملين في معالجة إشكالية التوازن المجالي بالمغرب.

Laisser un commentaire

Défiler vers le haut