الإنسان كائن ثقافي – الجذع المشترك

تأطير إشكالي عام

يبدو للوهلة الأولى أن الإنسان كائن طبيعي شأنه شأن باقي الحيوانات، يأكل ويتكاثر ويموت وفق قوانين بيولوجية صارمة. غير أن أبسط ملاحظة للسلوك الإنساني تكشف عن فارق جوهري: فالإنسان، وحده من بين الكائنات الحية، يطهو طعامه بدل التهامه نيّئاً، ويلبس ثياباً تخفي عريه الطبيعي، ويقيم طقوساً وأعراساً ومحرّمات، وينتج فنوناً وأديانا ونظماً قانونية تختلف من مجتمع إلى آخر.

هذا التنوع الهائل في أنماط العيش، رغم وحدة النوع البيولوجي البشري، يطرح سؤالاً فلسفياً محورياً: ما الذي يجعل من الإنسان كائناً ثقافياً بامتياز؟ هل الثقافة مجرد إضافة عرضية إلى طبيعة الإنسان البيولوجية، أم أنها الخاصية الجوهرية التي تحدد إنسانيته وتميزه عن الحيوان؟ وكيف يمكن التوفيق بين وحدة الإنسان بيولوجياً وتعدد ثقافاته وتنوعها اجتماعياً وتاريخياً؟ سيحاول هذا الدرس مقاربة هذا الإشكال انطلاقاً من تعريف مفهوم الثقافة، ثم تحديد الخاصية المائزة التي تجعل من الإنسان كائناً ثقافياً دون سواه من الكائنات، قبل الوقوف عند إشكالية التنوع الثقافي ونسبية الثقافات.

المحور الأول — الثقافة: تعريفها ومكوناتها

يُعد الأنثروبولوجي الإنجليزي إدوارد تايلور (1832-1917) صاحب أول تعريف علمي منهجي لمفهوم الثقافة، إذ يرى في كتابه «الثقافة البدائية» (1871) أن الثقافة هي «ذلك الكل المركب الذي يشمل المعرفة والمعتقد والفن والأخلاق والقانون والعرف، وكل ما يكتسبه الإنسان من قدرات وعادات بوصفه عضواً في المجتمع». بهذا التعريف تتحدد الثقافة بوصفها كل ما هو مكتسب بالتنشئة الاجتماعية، في مقابل كل ما هو موروث بيولوجياً، وتصبح شاملة لكل مناحي الحياة الجماعية للإنسان، من اللغة إلى الدين مروراً بالفن والقانون.

غير أن هذا التعريف العام يحتاج، حسب المفكر الجزائري مالك شبل (1953-2016)، إلى استكمال بالبعد الخصوصي: فكل ثقافة، وإن شاركت غيرها في الوظائف الكبرى (تنظيم العلاقات، إنتاج المعنى)، تتخذ مضامين ورموزاً خاصة بها. فقد اشتغل شبل، في أعماله حول «المتخيل العربي الإسلامي»، على إبراز الخصوصية الرمزية للثقافة العربية الإسلامية في علاقتها بالجسد والحب والمقدس، مبيّناً أن الثقافة ليست كلاً مجرداً وحيداً، بل نسق رمزي متعدد الصور بتعدد المجتمعات التي تنتجه.

المحور الثاني — الثقافة كخاصية مائزة للإنسان عن الحيوان

يذهب الأنثروبولوجي البنيوي كلود ليفي ستروس (1908-2009) إلى أن اللغة هي «الظاهرة الثقافية بامتياز»، وليس صنع الأدوات كما كان يُعتقد سابقاً، ذلك أن بعض الحيوانات (كالقردة العليا) قادرة على استعمال أدوات بسيطة، بينما تبقى اللغة المفصلية المزدوجة القائمة على نسق من العلامات والقواعد حكراً على الإنسان وحده. فالثقافة، بحسب ليفي ستروس، تبدأ حين يتحول السلوك من استجابة غريزية مباشرة إلى فعل منظّم بقاعدة رمزية قابلة للتعلم والنقل عبر الأجيال، وهذا ما لا يتوفر عليه أي حيوان مهما بلغ ذكاؤه.

ويعمّق الفيلسوف الألماني إرنست كاسيرر (1874-1945) هذا التمييز في كتابه «مقال في الإنسان» (1944) بتعريفه الإنسان بأنه «حيوان رامز» (animal symbolicum)، أي كائن لا يستجيب لمثيرات العالم استجابة مباشرة آلية كما يفعل الحيوان، بل يُدخل بين المثير والاستجابة «نسقاً رمزياً» من لغة وأسطورة وفن ودين وعلم، يشكّل ما يسميه «الكون الرمزي» الذي يعيش الإنسان داخله فعلياً. بهذا يصبح الفارق بين الإنسان والحيوان فارقاً في طبيعة العلاقة بالعالم لا في الدرجة فقط.

المحور الثالث — التنوع الثقافي ونسبية الثقافات

في كتابه «العرق والتاريخ» (1952)، ينتقد ليفي ستروس النزعة المركزية الإثنية (ethnocentrisme) التي تجعل كل مجتمع يقيس الثقافات الأخرى بمعايير ثقافته الخاصة، فيصف بـ«البربرية» أو «التخلف» كل ما يخالف عاداته. ويرى أن هذا الحكم القيمي غير علمي، لأن الثقافات جميعها، مهما بدت بدائية في نظر الغرب، تشكل استجابات متكافئة التعقيد لمشكلة العيش المشترك، وأن التقدم التقني لمجتمع ما لا يعني تفوقه الحضاري المطلق على غيره.

ويذهب الأنثروبولوجي الأمريكي كليفورد غيرتز (1926-2006) في الاتجاه نفسه، معتبراً في كتابه «تأويل الثقافات» (1973) أن «الإنسان حيوان معلّق في شبكات من الدلالة نسجها هو بنفسه»، وأن هذه الشبكات هي عين الثقافة. فمهمة دراسة الثقافة، حسب غيرتز، ليست البحث عن قوانين عامة كما في العلوم الطبيعية، بل تأويل المعاني التي ينتجها كل مجتمع لأفعاله ورموزه الخاصة، وهو ما يؤكد أن التنوع الثقافي ليس نقصاً بل هو جوهر الفعل الثقافي ذاته.

التركيب العام والخاتمة

يتضح من خلال هذه المحاور أن الإنسان كائن ثقافي بالضرورة لا بالمصادفة: فمنذ تعريف تايلور الجامع للثقافة، مروراً بتحديد ليفي ستروس وكاسيرر للخاصية الرمزية واللغوية التي تميزه عن الحيوان، وصولاً إلى تأكيد نسبية الثقافات وتعدديتها عند ليفي ستروس وغيرتز، يتبين أن الثقافة ليست عرضاً طارئاً على طبيعة الإنسان، بل هي الشكل الذي تتحقق به إنسانيته فعلياً. غير أن هذا التعدد الثقافي، إن لم يُقرأ في ضوء النسبية الثقافية التي تقر بتكافؤ الثقافات، قد يتحول إلى أساس للتراتب والهيمنة كما حصل تاريخياً في الخطاب الاستعماري. فالوعي بكون الإنسان كائناً ثقافياً هو في الآن نفسه وعي بحدود كل نظرة أحادية للحضارة، ودعوة إلى الانفتاح على تعدد أنماط تحقق الإنسانية عبر العالم.

إشكال للتفكير

سؤال 1 — بيّن حدود تعريف تايلور للثقافة، مستعيناً بإضافة مالك شبل حول الخصوصية الثقافية.

سؤال 2 — لماذا يرى ليفي ستروس أن اللغة، لا صنع الأدوات، هي المعيار الحقيقي لتمييز الثقافة الإنسانية؟

سؤال 3 — وضّح معنى مفهوم «الحيوان الرامز» عند كاسيرر، وبيّن أهميته في تفسير خصوصية الوجود الإنساني.

سؤال 4 — ما المقصود بالنزعة المركزية الإثنية عند ليفي ستروس؟ وكيف ينتقدها؟

سؤال 5 — ناقش أطروحة غيرتز القائلة إن الإنسان «معلّق في شبكات من الدلالة نسجها هو بنفسه».

سؤال 6 — هل يتعارض كون الإنسان كائناً ثقافياً واحداً في جوهره مع واقع تعدد الثقافات وتنوعها؟ ناقش.

عناصر الجواب

عنصر 1 — تعريف تايلور شامل ومنهجي لكنه وصفي عام لا يبرز خصوصية كل ثقافة. مالك شبل يستدرك ذلك بتحليله للمتخيل العربي الإسلامي، مبيّناً أن الثقافة تتحدد أيضاً برموزها ومضامينها الخاصة بكل مجتمع، لا فقط بوظائفها العامة المشتركة بين كل الثقافات.

عنصر 2 — لأن صنع الأدوات ليس حكراً على الإنسان، إذ تستعمله بعض الحيوانات بشكل بدائي، بينما اللغة المفصلية القائمة على نسق من القواعد والعلامات الرمزية القابلة للتعلم والنقل عبر الأجيال هي وحدها الخاصة بالإنسان، وهي ما يجعل السلوك الإنساني سلوكاً ثقافياً منظماً بقاعدة لا استجابة غريزية مباشرة.

عنصر 3 — يقصد كاسيرر بـ«الحيوان الرامز» أن الإنسان، خلافاً للحيوان، لا يستجيب لمثيرات العالم استجابة مباشرة، بل يُدخل بينها وبين استجابته نسقاً رمزياً (لغة، أسطورة، فن، دين). هذا النسق الرمزي هو ما يشكّل «الكون الرمزي» الذي يحدد طريقة إدراك الإنسان للعالم ويميزه جوهرياً عن باقي الكائنات.

عنصر 4 — المركزية الإثنية هي الميل إلى الحكم على الثقافات الأخرى بمعايير ثقافة المرء الخاصة، ووصف كل ما يخالفها بالتخلف أو البربرية. ينتقدها ليفي ستروس بوصفها حكماً غير علمي، مؤكداً أن كل الثقافات تشكل استجابات متكافئة التعقيد لمشكلة العيش المشترك، دون تراتب حضاري مطلق بينها.

عنصر 5 — تعني هذه الأطروحة أن الإنسان لا يعيش في عالم طبيعي محايد، بل في عالم من المعاني والرموز التي ينتجها هو بنفسه عبر ثقافته، وأن فهم الإنسان يقتضي تأويل هذه الشبكات الرمزية لا البحث عن قوانين علمية صارمة كما في العلوم الطبيعية، لأن كل مجتمع ينسج شبكته الخاصة من الدلالات.

عنصر 6 — لا تعارض حقيقياً بينهما: فوحدة الإنسان ثقافياً تكمن في القدرة الرمزية واللغوية المشتركة بين كل البشر (البنية العامة للثقافة)، بينما يكمن التنوع في المضامين والرموز التي تنتجها كل جماعة بحسب تاريخها وبيئتها. فالإنسان واحد في قدرته على إنتاج الثقافة، متعدد في محتويات هذا الإنتاج.

Laisser un commentaire

Défiler vers le haut