تأطير إشكالي عام
يواجه كل متعلم يقبل على دراسة الفلسفة سؤالا مشروعا: ما جدوى أن أنشغل بأسئلة لا تنتهي إلى إجابات قاطعة، في عالم يطالبني بمهارات عملية ونتائج ملموسة؟ أليس الرأي الشائع، وهو المعرفة الجاهزة المتداولة بيننا، كافيا لتدبير شؤون الحياة اليومية دون حاجة إلى مشقة التفلسف؟ يطرح هذا الانشغال إشكالا فلسفيا مزدوجا: من جهة أولى، ما طبيعة العائق الذي يمثله الرأي أمام التفكير النقدي، وهل يمكن الاستغناء عن الفلسفة بالاكتفاء به؟ ومن جهة ثانية، ما الأسباب التي تجعل التفلسف ضرورة إنسانية لا مجرد ترف فكري نخبوي، رغم عدم إنتاجه لفوائد مادية مباشرة؟ سنحاول في هذه الوحدة مساءلة هذا الإشكال عبر الوقوف أولا عند نقد الرأي بوصفه عائقا معرفيا، ثم عند المبررات الفلسفية الكبرى لضرورة التفلسف كموقف نقدي حر.
المحور الأول — الرأي عائق أمام التفلسف: غاستون باشلار
يقدم الفيلسوف الفرنسي غاستون باشلار في كتابه «تكوين الفكر العلمي» (1938م) تحليلا نقديا صارما لمفهوم الرأي (الدوكسا)، يخلص فيه إلى مقولته الشهيرة إن الرأي مخطئ دائما، فالرأي في نظره لا يترجم حاجة معرفية حقيقية بل حاجة نفعية عملية يُلبسها لباس المعرفة، وهو بذلك يفكر تفكيرا رديئا أو لا يفكر أصلا، إذ يكتفي بترديد أحكام جاهزة متداولة دون تمحيص أو مساءلة لأسسها. ورغم أن باشلار يتحدث أساسا عن تكوين العقل العلمي، فإن تحليله ينطبق بالقدر ذاته على التفلسف، ذلك أن الفيلسوف كالعالم لا يمكن أن يبني معرفة نقدية إلا بالقطيعة المنهجية مع اليقين الساذج للرأي السابق على التفكير المنظم. وقد سبق سقراط نفسه إلى نقد شبيه حين كان يواجه أصحاب الرأي المتعجرفين في السوق الأثينية بأسئلة تفضح هشاشة يقينهم الظاهري، ليكشف لهم أن ما كانوا يحسبونه معرفة راسخة لم يكن سوى رأي غير ممحص، وأن الاعتراف بالجهل هو الخطوة الأولى الضرورية نحو أي بحث فلسفي حقيقي.
المحور الثاني — مبررات ضرورة التفلسف: كانط والاستقلال الفكري
في مقاله الشهير «جواب عن سؤال: ما التنوير؟» (1784م) يقدم عمانويل كانط تعريفا مؤثرا للتنوير بوصفه خروج الإنسان من حالة القصور التي يفرضها على نفسه، أي عجزه عن استخدام فهمه الخاص دون توجيه من غيره، رافعا شعار التنوير الشهير: تجرأ على استخدام عقلك (Sapere aude)! وهذا الشعار يلخص أحد أهم مبررات ضرورة التفلسف، إذ إن الإنسان الذي يعيش دون أن يُعمل عقله النقدي الخاص يظل تابعا فكريا لسلطة خارجية، دينية كانت أو سياسية أو اجتماعية، بينما يتيح له التفلسف بناء استقلاليته الفكرية والأخلاقية. ومن جهة أخرى، يجيب جورج فيلهلم فريدريك هيغل عن اعتراض شائع مفاده أن الفلسفة عديمة الجدوى العملية، مؤكدا في مقدمة كتابه «أصول فلسفة الحق» أن الفلسفة هي عصرها محمولا في الفكر، بمعنى أن وظيفتها ليست تغيير الواقع مباشرة كما تفعل التقنية، بل بلوغ وعي نظري عميق بهذا الواقع وبمقتضياته وتناقضاته، وهو وعي لا غنى عنه لأي فعل إنساني حر وواعٍ بذاته، حتى وإن جاء هذا الوعي، كما يقول هيغل نفسه، متأخرا دوما كطائر المنارة الذي لا يحلق إلا عند حلول الغسق.
التركيب العام والخاتمة
يتبين من خلال هذين المحورين أن التفلسف ليس اختيارا اعتباطيا بل ضرورة مزدوجة: فهو من جهة تحرر ضروري من سلطة الرأي الجاهز الذي يعيق كل تفكير نقدي أصيل كما بين باشلار وسقراط، وهو من جهة أخرى استجابة لحاجة إنسانية عميقة إلى الاستقلال الفكري والوعي النظري بالذات وبالعالم كما بين كانط وهيغل. ولئن كان التفلسف لا يُنتج خبزا ولا يبني جسرا بشكل مباشر، فإن قيمته تكمن بالضبط في كونه يُعلّم الإنسان كيف يفكر بحرية ونقد، بدل أن يظل مستهلكا سلبيا لأحكام جاهزة يتلقاها دون تمحيص، وهذا ما يجعل التفلسف شرطا لكل حرية إنسانية حقيقية لا نشاطا كماليا هامشيا.
إشكال للتفكير
سؤال 1 — لماذا يعتبر باشلار أن الرأي مخطئ دائما؟
سؤال 2 — بيّن العلاقة بين منهج سقراط الحواري ونقد باشلار للرأي.
سؤال 3 — ما المقصود بشعار التنوير «تجرأ على استخدام عقلك» عند كانط؟
سؤال 4 — وضح معنى قول هيغل إن الفلسفة هي عصرها محمولا في الفكر.
سؤال 5 — هل يمكن الرد على من يعتبر الفلسفة نشاطا عديم الجدوى العملية؟ ناقش.
سؤال 6 — إلى أي حد يشكل التفلسف شرطا ضروريا للاستقلال الفكري للإنسان؟
عناصر الجواب
عنصر 1 — يرى باشلار أن الرأي لا يقوم على تفكير منهجي بل يترجم حاجات نفعية عملية في صيغة معرفة جاهزة، فهو يفكر تفكيرا رديئا أو لا يفكر أصلا، ما يجعله دوما عائقا أمام بناء معرفة علمية أو فلسفية نقدية دقيقة.
عنصر 2 — يلتقي سقراط وباشلار في اعتبار الرأي الجاهز عائقا معرفيا يجب تجاوزه، فمنهج سقراط الحواري القائم على السخرية والتوليد يهدف بالضبط إلى فضح هشاشة الرأي المتداول قبل بناء معرفة أدق تحل محله.
عنصر 3 — يعني هذا الشعار أن يستخدم الإنسان فهمه وعقله الخاص باستقلالية دون توجيه أو وصاية من سلطة خارجية، وهو ما يعتبره كانط شرط الخروج من حالة القصور الفكري التي يفرضها الإنسان على نفسه بجبن أو كسل.
عنصر 4 — يقصد هيغل أن وظيفة الفلسفة ليست تغيير الواقع مباشرة كالتقنية، بل بلوغ وعي نظري عميق بهذا الواقع وتناقضاته، وهو وعي يأتي غالبا بعد نضج الأحداث لا قبلها، كطائر المنارة الذي لا يحلق إلا عند الغسق.
عنصر 5 — يمكن الرد على هذا الاعتراض بالتمييز بين الجدوى المادية المباشرة والجدوى الفكرية غير المباشرة، فالفلسفة وإن لم تنتج سلعا ملموسة فإنها تنتج وعيا نقديا واستقلالية فكرية لا غنى عنهما لأي فعل إنساني حر وواعٍ بذاته وبعالمه.
عنصر 6 — يشكل التفلسف شرطا أساسيا للاستقلال الفكري، لأنه يحرر الإنسان من التبعية العمياء للرأي الجاهز أو للسلطات الخارجية، ويعلمه إعمال عقله الخاص نقديا، وهو ما يعتبره كانط جوهر التنوير وشرط النضج الإنساني.



