تفتتح هذه الدرس البرنامج الدراسي لمادة الجغرافيا بالسنة الأولى بكالوريا، شعبة العلوم، حيث يشكل مفهوم التنمية المدخل النظري الضروري لفهم مختلف الظواهر الجغرافية التي سيتم التطرق إليها خلال هذه السنة، سواء المتعلقة بالمجال المغربي أو بالعالم العربي أو بالعالم عموما. فمعرفة الفوارق التنموية بين دول العالم، وتحديد أسسها ومعاييرها، يساعد المتعلم على قراءة الخرائط الاقتصادية والاجتماعية للعالم وتفسير التفاوتات القائمة بين جهاته الكبرى.
في تعريف مفهوم التنمية
يقصد بـالتنمية مجموع التحولات الكمية والكيفية التي تعرفها مجتمعات الدول على المستويين الاقتصادي والاجتماعي، بشكل يؤدي إلى تحسين ظروف عيش الساكنة وتوسيع قدراتها وخياراتها في مجالات الشغل والصحة والتعليم والسكن. ويجب التمييز بين مفهومي النمو الاقتصادي والتنمية؛ فالنمو يقتصر على الجانب الكمي المتمثل في ارتفاع الإنتاج والثروة الوطنية (الناتج الداخلي الخام)، في حين تتجاوز التنمية هذا البعد الكمي لتشمل التوزيع العادل لثمار هذا النمو وانعكاساته على جودة حياة الأفراد.
فقد تعرف دولة ما نموا اقتصاديا مرتفعا دون أن يواكبه تحسن حقيقي في المستوى المعيشي لغالبية سكانها، بسبب سوء توزيع الثروة أو ضعف الاستثمار في القطاعات الاجتماعية، وهو ما يجعل النمو شرطا ضروريا لتحقيق التنمية لكنه غير كافٍ لوحده.
تعدد المقاربات المفسرة لمفهوم التنمية
نظرا لتعقد الظاهرة التنموية، تعددت المقاربات النظرية المفسرة لها، ويمكن إجمال أهمها فيما يلي:
- المقاربة الاقتصادية: تربط التنمية أساسا بمستوى الإنتاج والدخل الفردي وحجم الاستثمارات، وتعتمد مؤشرات كمية كالناتج الداخلي الخام للفرد.
- المقاربة الاجتماعية: تركز على مدى استفادة الساكنة من الخدمات الأساسية كالتعليم والصحة والسكن والتغطية الصحية، باعتبارها انعكاسا حقيقيا لمستوى الرفاهية.
- مقاربة التنمية البشرية: تنظر إلى الإنسان كغاية للتنمية وليس مجرد وسيلة لها، وتقيس مدى توسع قدراته وخياراته في الحياة (الدخل، الصحة، التعليم).
- مقاربة التنمية المستدامة: تدعو إلى تحقيق تنمية تلبي حاجيات الجيل الحالي دون المس بقدرة الأجيال القادمة على تلبية حاجياتها، عبر التوفيق بين البعد الاقتصادي والاجتماعي والبيئي.
معايير ومؤشرات قياس التنمية
لقياس درجة التنمية في دولة ما، يعتمد الجغرافيون والاقتصاديون على مجموعة من المؤشرات الكمية والكيفية، أبرزها الناتج الداخلي الخام للفرد، وأمل الحياة عند الولادة، ومعدل التمدرس، ونسبة الأمية، ومعدل وفيات الأطفال. ويجمع مؤشر التنمية البشرية (IDH) الصادر عن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي بين ثلاثة أبعاد أساسية: الدخل، والصحة، والمعرفة، ليعطي صورة أشمل من الاعتماد على الدخل الفردي وحده.
| الفئة | الناتج الداخلي الخام للفرد (بالدولار تقريبا) | أمل الحياة عند الولادة (سنة) | معدل التمدرس الإجمالي (%) | قيمة مؤشر التنمية البشرية |
|---|---|---|---|---|
| دول متقدمة | أكثر من 35 000 | يفوق 80 | يقارب 95 | أعلى من 0.90 |
| دول صاعدة | ما بين 7 000 و15 000 | ما بين 72 و76 | ما بين 75 و90 | ما بين 0.70 و0.80 |
| دول نامية | أقل من 3 000 | أقل من 62 | أقل من 55 | أقل من 0.55 |
وتبين هذه المعطيات التقريبية حجم الفجوة التنموية بين مختلف فئات دول العالم، سواء من حيث الدخل أو من حيث النتائج الاجتماعية المترتبة عنه.
التقسيمات الكبرى للعالم حسب درجة التنمية
اعتمادا على المؤشرات السابقة، جرى العرف على تصنيف دول العالم إلى مجموعات كبرى، من أبرزها:
- ثنائية الشمال والجنوب: يضم الشمال الدول ذات الاقتصاد المتقدم (أمريكا الشمالية، أوروبا الغربية، اليابان…)، بينما يضم الجنوب أغلب دول إفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية.
- الدول الصناعية الكبرى (مجموعة السبع): وهي دول ذات وزن اقتصادي وتكنولوجي كبير على المستوى العالمي.
- الدول الصاعدة (الاقتصادات الناشئة): دول عرفت وتيرة نمو اقتصادي سريعة خلال العقود الأخيرة، كالصين والهند والبرازيل.
- الدول الأقل نموا: وهي فئة تضم الدول الأكثر هشاشة اقتصاديا واجتماعيا، وتتمركز أساسا في إفريقيا جنوب الصحراء وبعض دول آسيا.
خريطة التنمية في العالم: تفاوتات مجالية
يمكن رسم خريطة تقريبية لتوزيع التنمية في العالم تبرز ثلاث مجموعات كبرى من حيث الموقع الجغرافي: مجال يتركز في نصف الكرة الشمالي يضم أمريكا الشمالية وأوروبا الغربية واليابان وأستراليا، ويتميز بارتفاع مستوى الدخل وجودة الخدمات الاجتماعية؛ ومجال وسيط يضم دولا صاعدة موزعة بين آسيا وأمريكا اللاتينية وبعض دول شمال إفريقيا والخليج العربي؛ ومجال ثالث يتركز أساسا في إفريقيا جنوب الصحراء وأجزاء من جنوب وجنوب شرق آسيا، يعاني من تدني أغلب المؤشرات التنموية. وتبرز هذه الخريطة استمرار منطق التفاوت المجالي رغم التحولات الاقتصادية التي عرفها العالم خلال العقود الأخيرة.
العوامل المفسرة للتفاوت التنموي بين دول العالم
تتضافر عدة عوامل في تفسير استمرار الفجوة التنموية بين دول العالم، من أهمها:
- عوامل تاريخية: الإرث الاستعماري وما خلفه من اقتصادات ريعية موجهة أساسا لخدمة المستعمِر بدل التنمية الداخلية.
- عوامل اقتصادية: تدهور شروط التبادل التجاري الدولي بالنسبة لمصدري المواد الأولية، وثقل المديونية الخارجية.
- عوامل سياسية ومؤسساتية: ضعف الحكامة، وانتشار النزاعات والحروب الأهلية في بعض المناطق.
- عوامل طبيعية وديموغرافية: صعوبة الظروف المناخية في بعض المناطق، وارتفاع معدلات النمو الديمغرافي الذي يفوق أحيانا وتيرة النمو الاقتصادي.
خلاصة تركيبية
يتضح مما سبق أن مفهوم التنمية مفهوم مركب ومتعدد الأبعاد، لا يمكن اختزاله في معيار واحد، وأن التفاوتات التنموية بين دول العالم نتاج تراكم عوامل تاريخية واقتصادية وسياسية وطبيعية متشابكة. وسيتم التعمق في دراسة هذه الإشكالية من خلال حالات نوعية، أولها المجال المغربي بمقوماته الطبيعية والبشرية.
تطبيق
تمرين 1 — عرّف مفهومي النمو والتنمية مع إبراز الفرق الجوهري بينهما.
تمرين 2 — اذكر المقاربات الأربع المفسرة لمفهوم التنمية، مع تعريف كل واحدة منها بإيجاز.
تمرين 3 — انطلاقا من الجدول المرفق، قارن بين الدول المتقدمة والدول النامية معتمدا على مؤشرين اثنين على الأقل.
تمرين 4 — ما المقصود بمؤشر التنمية البشرية (IDH)؟ وما هي الأبعاد الثلاثة التي يجمع بينها؟
تمرين 5 — صنف دول العالم إلى مجموعات كبرى حسب درجة التنمية، مع إعطاء مثال لكل مجموعة.
تمرين 6 — حلل عاملين اثنين من العوامل التاريخية والاقتصادية المفسرة للتفاوت في التنمية بين دول الشمال ودول الجنوب.
تمرين 7 — لماذا لا يمكن الاكتفاء بمعيار الناتج الداخلي الخام للفرد وحده لقياس درجة تنمية بلد ما؟
تمرين 8 — صف بإيجاز التوزيع المجالي الكبير للتنمية في العالم كما يظهر في الخريطة الذهنية المقترحة في الدرس.
التصحيح
الجواب 1 — النمو الاقتصادي هو الزيادة الكمية في حجم الإنتاج والثروة الوطنية خلال فترة زمنية معينة، ويقاس عادة بالناتج الداخلي الخام. أما التنمية فهي مفهوم أشمل يتجاوز الجانب الكمي ليشمل التوزيع العادل لثمار النمو وانعكاساته الإيجابية على ظروف عيش السكان في مجالات الصحة والتعليم والسكن والشغل. فقد يحدث نمو اقتصادي دون تنمية حقيقية إذا لم يواكبه تحسن في المستوى المعيشي لعموم السكان.
الجواب 2 — المقاربات الأربع هي: المقاربة الاقتصادية التي تربط التنمية بمستوى الإنتاج والدخل، والمقاربة الاجتماعية التي تركز على الاستفادة من الخدمات الأساسية، ومقاربة التنمية البشرية التي تجعل الإنسان غاية التنمية وتقيس توسع قدراته، ومقاربة التنمية المستدامة التي توفق بين الأبعاد الاقتصادية والاجتماعية والبيئية مع مراعاة حقوق الأجيال القادمة.
الجواب 3 — تظهر بيانات الجدول أن الدول المتقدمة تحقق ناتجا داخليا خاما للفرد يفوق 35000 دولار مقابل أقل من 3000 دولار في الدول النامية، كما يبلغ أمل الحياة في الدول المتقدمة أكثر من 80 سنة مقابل أقل من 62 سنة في الدول النامية، مما يعكس فجوة كبيرة في مستوى الدخل وجودة الخدمات الصحية بين الفئتين.
الجواب 4 — مؤشر التنمية البشرية هو مقياس مركب يصدره برنامج الأمم المتحدة الإنمائي لقياس مستوى التنمية في دولة ما بشكل يتجاوز البعد الاقتصادي المحض. يجمع بين ثلاثة أبعاد أساسية: البعد الاقتصادي (نصيب الفرد من الدخل القومي)، والبعد الصحي (أمل الحياة عند الولادة)، والبعد المعرفي (معدلات التمدرس ومحو الأمية).
الجواب 5 — يمكن تصنيف دول العالم إلى: الدول المتقدمة (اقتصاديات صناعية كبرى كالولايات المتحدة واليابان)، والدول الصاعدة (كالصين والهند والبرازيل التي عرفت نموا اقتصاديا سريعا)، والدول النامية أو الأقل نموا (كأغلب دول إفريقيا جنوب الصحراء التي تعاني من تدني المؤشرات التنموية).
الجواب 6 — من العوامل التاريخية: خلف الاستعمار اقتصادات ريعية موجهة لخدمة الدول المستعمِرة بدل التنمية المحلية، وهو ما أثر سلبا على البنيات الإنتاجية لدول الجنوب بعد الاستقلال. ومن العوامل الاقتصادية: تدهور شروط التبادل التجاري الدولي، حيث تصدر دول الجنوب مواد أولية بأثمنة منخفضة وتستورد منتجات مصنعة بأثمنة مرتفعة، إضافة إلى ثقل المديونية الخارجية التي تستنزف مواردها.
الجواب 7 — لأن الناتج الداخلي الخام للفرد يعطي فقط متوسطا حسابيا للدخل دون أن يعكس كيفية توزيع هذا الدخل بين فئات المجتمع، كما لا يأخذ بعين الاعتبار جوانب أساسية أخرى كالصحة والتعليم ونوعية الحياة، لذا يُستكمل عادة بمؤشرات اجتماعية أخرى كمؤشر التنمية البشرية لإعطاء صورة أدق وأشمل عن مستوى التنمية.
الجواب 8 — تتوزع التنمية في العالم على ثلاث مجموعات مجالية كبرى: مجال متقدم يشمل أمريكا الشمالية وأوروبا الغربية واليابان وأستراليا، ومجال وسيط يضم دولا صاعدة في آسيا وأمريكا اللاتينية وبعض دول الخليج العربي وشمال إفريقيا، ومجال ثالث يعاني من ضعف تنموي كبير يتركز أساسا في إفريقيا جنوب الصحراء وأجزاء من جنوب وجنوب شرق آسيا.



