لم يقبل المغاربة نظام الحماية بسهولة، بل خاضوا منذ فرضه سنة 1912 نضالا متواصلا اتخذ أشكالا متعددة تطورت بتطور الظروف الداخلية والدولية، من المقاومة المسلحة إلى العمل السياسي المنظم فالثورة الشعبية، إلى أن تُوج هذا النضال باسترجاع الاستقلال سنة 1956، تلته مرحلة أخرى من الكفاح السياسي والدبلوماسي لاستكمال الوحدة الترابية. يستعرض هذا الدرس أهم محطات هذا المسار النضالي الطويل الذي جسد إرادة الشعب المغربي في التحرر والوحدة.
المقاومة المسلحة: الرفض الأول لنظام الحماية
واجه المغاربة فرض الحماية منذ البداية بمقاومة مسلحة عنيفة في مناطق مختلفة من البلاد، رافضين الخضوع للاحتلال الأجنبي. وقد تميزت هذه المقاومة بطابعها المحلي والقبلي في مرحلة أولى، قبل أن تتخذ أبعادا أوسع مع حرب الريف بقيادة محمد بن عبد الكريم الخطابي (1921-1926) التي شكلت أبرز تجربة مقاومة منظمة في المغرب، إذ تمكن الخطابي من إلحاق هزيمة قاسية بالجيش الإسباني في معركة أنوال (يوليوز 1921) وتأسيس جمهورية الريف، قبل أن يخضع لتحالف عسكري فرنسي إسباني مشترك سنة 1926.
وتواصلت المقاومة المسلحة في مناطق الأطلس والصحراء إلى حدود 1934، حيث شكلت معارك مثل معركة بوغافر (1933) آخر معاقل المقاومة المسلحة المنظمة قبل أن تتمكن سلطات الحماية من إحكام سيطرتها العسكرية على كامل التراب المغربي.
بروز العمل الوطني المنظم
مع تراجع المقاومة المسلحة، برزت أشكال جديدة من النضال السياسي المنظم اعتمدها جيل من المثقفين والوطنيين المتعلمين في المدارس الحرة والزوايا، والمتأثرين بالفكر الإصلاحي والقومي العربي. وقد شكل الظهير البربري الصادر سنة 1930، الذي حاول من خلاله الاستعمار الفرنسي إخضاع المناطق الأمازيغية لقانون عرفي خاص بمعزل عن الشريعة الإسلامية، حدثا محوريا في بلورة الوعي الوطني، إذ اعتبره المغاربة محاولة لتفريق صفوف الأمة، فخرجت احتجاجات واسعة وأقيمت صلوات اللطيف في المساجد رفضا لهذا الظهير.
وقد أفضت هذه الأحداث إلى تأسيس كتلة العمل الوطني سنة 1934 التي قدمت "برنامج الإصلاحات المغربية" مطالبة بإصلاحات إدارية واجتماعية وسياسية دون المساس بشكل مباشر بنظام الحماية في هذه المرحلة الأولى من النضال.
تصاعد المطالب الوطنية: من الإصلاح إلى المطالبة بالاستقلال
مع اندلاع الحرب العالمية الثانية وما رافقها من إضعاف للقوى الاستعمارية وانتشار مبادئ حق الشعوب في تقرير مصيرها (كما جاء في الميثاق الأطلسي 1941)، تطور الخطاب الوطني المغربي من المطالبة بالإصلاح إلى المطالبة الصريحة بالاستقلال التام. وفي هذا السياق، قدم حزب الاستقلال (المؤسس حديثا آنذاك) في 11 يناير 1944 "وثيقة المطالبة بالاستقلال" موقعة من قبل شخصيات وطنية بارزة، مطالبة صراحة باستقلال المغرب في إطار وحدته الترابية تحت قيادة السلطان محمد بن يوسف (محمد الخامس).
وقد أيد السلطان محمد الخامس هذه المطالب الوطنية بشكل متزايد، ورفض التوقيع على عدد من القرارات التي فرضتها سلطات الحماية، كما عبر عن دعمه للحركة الوطنية في خطبه، مما جعله رمزا للكفاح الوطني ووحد بذلك العرش والشعب في مواجهة واحدة ضد الاستعمار.
نفي محمد الخامس وثورة الملك والشعب
أمام تصاعد التأييد الشعبي للسلطان ودعمه المتنامي للحركة الوطنية، أقدمت السلطات الفرنسية على خطوة استفزازية خطيرة تمثلت في نفي السلطان محمد الخامس وأسرته يوم 20 غشت 1953 إلى جزيرة كورسيكا ثم إلى مدغشقر، ونصبت مكانه سلطانا صوريا (محمد بن عرفة) غير معترف به شعبيا.
أثار هذا النفي غضبا شعبيا عارما، وتحول الكفاح الوطني إلى ثورة شاملة عرفت بـ"ثورة الملك والشعب"، تجلت في مقاطعة شاملة للسلطان الصوري وتصاعد العمل المسلح لجيش التحرير المغربي الذي تأسس سنة 1955 وبدأ عملياته العسكرية ضد المصالح الاستعمارية، إلى جانب انتشار الاحتجاجات والإضرابات في مختلف المدن المغربية، مما جعل استمرار الحماية أمرا مستحيلا سياسيا وأمنيا بالنسبة لفرنسا.
المفاوضات واسترجاع الاستقلال
أمام تصاعد الضغط الشعبي والعسكري، اضطرت فرنسا إلى الرضوخ، فتم توقيع اتفاقية إيكس ليبان في نونبر 1955 التي أعادت محمد الخامس إلى العرش، ليعود السلطان إلى المغرب في 16 نونبر 1955 وسط استقبال شعبي حاشد، معلنا نهاية عهد الحماية وبداية مرحلة التفاوض على الاستقلال الكامل.
وبعد مفاوضات مكثفة، تم توقيع "الإعلان المشترك الفرنسي المغربي" في 2 مارس 1956 الذي اعترفت بموجبه فرنسا رسميا باستقلال المغرب وإنهاء نظام الحماية، تلاه اتفاق مماثل مع إسبانيا في أبريل 1956 بخصوص المنطقة الخليفية بالشمال، لتسترجع المملكة المغربية بذلك سيادتها الوطنية بعد أربعة وأربعين عاما من الحماية.
استكمال الوحدة الترابية: مسار متواصل
لم يكتمل استرجاع السيادة الوطنية باستقلال 1956، إذ ظلت أجزاء من التراب المغربي تحت السيطرة الأجنبية، مما استدعى مواصلة النضال السياسي والدبلوماسي لاستكمال الوحدة الترابية. وقد تحقق ذلك عبر مراحل متعاقبة: استرجاع إقليم طرفاية من إسبانيا سنة 1958، ثم إقليم سيدي إفني سنة 1969 بعد مفاوضات طويلة، إلى جانب استرجاع منطقة طنجة الدولية وإدماجها في السيادة المغربية سنة 1956.
أما الصحراء المغربية، فقد ظلت تحت الاحتلال الإسباني حتى نظم المغرب المسيرة الخضراء في 6 نونبر 1975، وهي مسيرة سلمية شارك فيها 350 ألف متطوع مغربي عبروا الحدود نحو الصحراء تأكيدا على مغربيتها، مما مهد لتوقيع اتفاقية مدريد الثلاثية (المغرب، إسبانيا، موريتانيا) في نونبر 1975 وانسحاب إسبانيا من الصحراء، لتشرع المملكة بعدها في مسلسل تنموي وسياسي متواصل لإدماج أقاليمها الصحراوية.
خلاصة: من المقاومة إلى بناء الدولة المستقلة
شكل النضال المغربي من أجل الاستقلال واستكمال الوحدة الترابية مسارا متكاملا ومتدرجا جمع بين أشكال متنوعة من الكفاح: المقاومة المسلحة، والعمل السياسي المنظم، والثورة الشعبية، والمفاوضات الدبلوماسية، والتعبئة الشعبية السلمية. وقد جسد هذا المسار وحدة الشعب المغربي حول عرشه ومؤسساته في مواجهة التحديات الاستعمارية، وأرسى الأساس لبناء الدولة المغربية الحديثة المستقلة ذات السيادة الكاملة على كامل ترابها الوطني.
| الحدث | التاريخ |
|---|---|
| معركة أنوال (حرب الريف) | يوليوز 1921 |
| الظهير البربري | ماي 1930 |
| تأسيس كتلة العمل الوطني | 1934 |
| وثيقة المطالبة بالاستقلال | 11 يناير 1944 |
| نفي محمد الخامس | 20 غشت 1953 |
| عودة محمد الخامس واتفاقية إيكس ليبان | نونبر 1955 |
| الإعلان المشترك للاستقلال | 2 مارس 1956 |
| استرجاع طرفاية | 1958 |
| استرجاع سيدي إفني | 1969 |
| المسيرة الخضراء | 6 نونبر 1975 |
تطبيق
تمرين 1 — عرّف المفاهيم التالية: جمهورية الريف، الظهير البربري، جيش التحرير، المسيرة الخضراء.
تمرين 2 — بيّن أهم مراحل ومظاهر المقاومة المسلحة بالمغرب ضد الاستعمار.
تمرين 3 — اشرح الظروف التي أدت إلى صدور وثيقة المطالبة بالاستقلال سنة 1944.
تمرين 4 — وضح كيف تحول الصراع مع الاستعمار إلى ثورة شعبية بعد نفي محمد الخامس.
تمرين 5 — حدد أهم بنود اتفاقية إيكس ليبان والإعلان المشترك لسنة 1956.
تمرين 6 — رتب زمنيا مراحل استكمال الوحدة الترابية للمغرب بعد سنة 1956.
تمرين 7 — اشرح الظروف السياسية والدبلوماسية التي أفضت إلى تنظيم المسيرة الخضراء سنة 1975.
تمرين 8 — استخلص العلاقة بين مختلف أشكال النضال المغربي (المسلح، السياسي، الشعبي، الدبلوماسي) في تحقيق الاستقلال ووحدة التراب الوطني.
التصحيح
الجواب 1 — جمهورية الريف: كيان سياسي أسسه محمد بن عبد الكريم الخطابي بمنطقة الريف بعد انتصاره في معركة أنوال 1921، قاوم الاستعمار الإسباني والفرنسي إلى غاية 1926. الظهير البربري: مرسوم أصدرته سلطات الحماية سنة 1930 لإخضاع المناطق الأمازيغية لقانون عرفي بمعزل عن الشريعة الإسلامية، أثار احتجاجات وطنية واسعة. جيش التحرير: تنظيم عسكري وطني تأسس سنة 1955 لمواصلة الكفاح المسلح ضد الاستعمار. المسيرة الخضراء: مسيرة سلمية شعبية نظمها المغرب في 6 نونبر 1975 لاسترجاع صحرائه من الاحتلال الإسباني.
الجواب 2 — بدأت المقاومة المسلحة فور فرض الحماية سنة 1912 بطابع محلي وقبلي، ثم اتخذت بعدا أوسع مع حرب الريف (1921-1926) بقيادة محمد بن عبد الكريم الخطابي التي حققت انتصار أنوال قبل أن تُخمد بتحالف فرنسي إسباني، ثم تواصلت في مناطق الأطلس والصحراء إلى غاية معركة بوغافر سنة 1933 التي شكلت آخر معاقل المقاومة المسلحة المنظمة.
الجواب 3 — أدى اندلاع الحرب العالمية الثانية إلى إضعاف القوى الاستعمارية وانتشار مبادئ حق الشعوب في تقرير مصيرها، وهو ما شجع الحركة الوطنية المغربية على الانتقال من مطلب الإصلاح إلى المطالبة الصريحة بالاستقلال، فقدم حزب الاستقلال وثيقة المطالبة بالاستقلال في 11 يناير 1944 موقعة من شخصيات وطنية بارزة ومطالبة باستقلال المغرب تحت قيادة السلطان محمد الخامس.
الجواب 4 — بعدما أظهر السلطان محمد الخامس تأييدا متزايدا للحركة الوطنية، أقدمت فرنسا على نفيه يوم 20 غشت 1953، وهو ما أثار غضبا شعبيا واسعا حول العالم، فتحول الكفاح السياسي إلى ثورة شاملة عرفت بثورة الملك والشعب، تميزت بمقاطعة السلطان الصوري وتصاعد العمل المسلح لجيش التحرير والاحتجاجات الشعبية، مما جعل استمرار الحماية مستحيلا.
الجواب 5 — أعادت اتفاقية إيكس ليبان (نونبر 1955) السلطان محمد الخامس إلى العرش وأنهت رسميا فترة النفي، أما الإعلان المشترك الفرنسي المغربي (2 مارس 1956) فقد اعترف رسميا باستقلال المغرب وإنهاء نظام الحماية الفرنسية، تلاه اتفاق مماثل مع إسبانيا في أبريل 1956 بخصوص المنطقة الشمالية.
الجواب 6 — استرجع المغرب إقليم طرفاية سنة 1958، ثم إقليم سيدي إفني سنة 1969، مع إدماج منطقة طنجة الدولية سنة 1956، ثم نظم المسيرة الخضراء سنة 1975 لاسترجاع الصحراء المغربية من الاحتلال الإسباني، وهو مسار متواصل من التعبئة السياسية والدبلوماسية والشعبية.
الجواب 7 — استمر الاحتلال الإسباني للصحراء المغربية بعد 1956، فلجأ المغرب إلى مساعي دبلوماسية دولية (القضية أمام الأمم المتحدة ومحكمة العدل الدولية) لإثبات الروابط التاريخية بين المغرب وصحرائه، وأمام تعنت إسبانيا قرر الملك الحسن الثاني تنظيم مسيرة سلمية شعبية ضخمة (المسيرة الخضراء) في 6 نونبر 1975 شارك فيها 350 ألف متطوع، مما أدى إلى توقيع اتفاقية مدريد الثلاثية وانسحاب إسبانيا من الصحراء.
الجواب 8 — تكاملت أشكال النضال المغربي بشكل تدريجي ومتراكم: مهدت المقاومة المسلحة الأولى لبروز وعي وطني، تطور إلى عمل سياسي منظم طالب بالإصلاح ثم بالاستقلال، ليتحول إلى ثورة شعبية مسلحة بعد نفي الملك، وانتهى بمفاوضات دبلوماسية توجت بالاستقلال، واستمر لاحقا عبر العمل الدبلوماسي والتعبئة الشعبية السلمية (المسيرة الخضراء) لاستكمال الوحدة الترابية، مما يبرز أن تحرير المغرب ووحدته كانا ثمرة تكامل بين مختلف أشكال الكفاح الوطني.



