تشكل القرن التاسع عشر منعطفا حاسما في تاريخ القارة الأوربية، إذ شهدت أوربا بعد سقوط النظام النابليوني وانعقاد مؤتمر فيينا سنة 1815 محاولة لإعادة بناء نظام سياسي محافظ يقوم على مبدأ الشرعية وتوازن القوى بين الدول الكبرى. غير أن هذا النظام سرعان ما اصطدم بصعود الأفكار الليبرالية والقومية التي أفرزتها الثورة الفرنسية، مما فجر سلسلة من الثورات والحركات الوحدوية غيرت خريطة أوربا السياسية جذريا. تسعى هذه الدرس إلى دراسة أهم هذه التطورات: من الثورات الليبرالية إلى تحقيق الوحدتين الإيطالية والألمانية، وصولا إلى تطور الأنظمة السياسية في فرنسا وبريطانيا، باعتبار هذه المسارات مدخلا أساسيا لفهم أوربا التي ستدخل عصر الإمبريالية لاحقا.
أوربا غداة مؤتمر فيينا: محاولة استعادة النظام القديم
انعقد مؤتمر فيينا بين سنتي 1814 و1815 بمبادرة من الدول المنتصرة على نابليون بونابرت (النمسا، بروسيا، روسيا، بريطانيا)، بهدف إعادة رسم خريطة أوربا وفق مبدأين أساسيين هما مبدأ الشرعية، القاضي بإعادة الأسر الملكية المخلوعة إلى عروشها، ومبدأ توازن القوى الذي يمنع أي دولة من الهيمنة المنفردة على القارة. أشرف على أشغال المؤتمر الدبلوماسي النمساوي مترنيخ الذي أصبح رمزا للنظام المحافظ المعادي لكل مظاهر التحرر السياسي.
غير أن هذا الترتيب الجديد تجاهل تطلعات الشعوب إلى الحرية والوحدة القومية التي بثتها الثورة الفرنسية وحروب نابليون، فحمل في طياته بذور التوتر الذي سيتفجر لاحقا في شكل موجات ثورية متعاقبة.
الليبرالية السياسية: مفهومها ومطالبها
تعني الليبرالية السياسية تيارا فكريا يدعو إلى تقييد سلطة الحاكم بدستور مكتوب، وضمان الحريات الفردية (الرأي، الصحافة، التنظيم)، وإقرار مبدأ الفصل بين السلط، فضلا عن توسيع المشاركة السياسية عبر الاقتراع، وإن كان هذا الأخير في بداياته مقيدا بشرط الملكية (الاقتراع الطُّعمي أو السنسيتاري). استند الفكر الليبرالي إلى فلسفة الأنوار وإلى تجربة الثورة الفرنسية لسنة 1789، وشكل الإيديولوجيا المضادة لمبادئ مؤتمر فيينا المحافظة.
ارتبطت الليبرالية بشكل وثيق بمطلب القومية، أي حق كل أمة في تقرير مصيرها وبناء دولتها الموحدة المستقلة، وهو ما فسر تداخل الحركتين الليبرالية والقومية في أغلب ثورات القرن التاسع عشر.
الموجات الثورية الليبرالية: 1830 و1848
عرفت أوربا موجتين ثوريتين كبريين هزتا النظام الذي أقره مؤتمر فيينا. الأولى سنة 1830 انطلقت من فرنسا (ثورة يوليوز) وأدت إلى تنصيب لويس فيليب ملكا دستوريا، بينما اندلعت ثورة موازية في بلجيكا أفضت إلى استقلالها عن هولندا. أما الموجة الثانية والأعمق فكانت ثورات 1848 التي عمت باريس وفيينا وبرلين وميلانو، وجمعت بين المطالب الليبرالية والاجتماعية والقومية في آن واحد، وإن باءت أغلبها بالفشل على المدى القريب أمام رد فعل القوى المحافظة.
| الثورة | السنة | أبرز مطالبها | أهم نتائجها |
|---|---|---|---|
| ثورة يوليوز الفرنسية | 1830 | إسقاط الملكية المطلقة المستعادة | قيام الملكية الدستورية (لويس فيليب) |
| الثورة البلجيكية | 1830 | الاستقلال عن هولندا | ميلاد دولة بلجيكا المستقلة |
| ثورة فبراير الفرنسية | 1848 | الجمهورية والاقتراع العام | قيام الجمهورية الثانية مؤقتا |
| ثورات فيينا وبرلين | 1848 | دستور، وحدة قومية | قمع الثورات وتراجع مؤقت للإصلاحات |
تحقيق الوحدة الإيطالية
كانت إيطاليا قبل الوحدة مجزأة إلى دويلات متعددة تخضع بعضها لنفوذ النمسا المباشر. قادت مملكة بيامونتي سردينيا، بزعامة الملك فيكتور عمانويل الثاني ورئيس وزرائه كافور، مسلسل توحيد شبه الجزيرة اعتمادا على الدبلوماسية والتحالفات (خاصة مع فرنسا ضد النمسا)، بينما أسهمت حركة غاريبالدي الشعبية المسلحة (حملة القمصان الحمر) في ضم جنوب إيطاليا وصقلية. تُوّج هذا المسار بإعلان قيام مملكة إيطاليا الموحدة سنة 1861، ثم استكمل بضم البندقية سنة 1866 وروما سنة 1870.
تحقيق الوحدة الألمانية ودور بسمارك
خضعت الأراضي الألمانية بدورها لتجزئة سياسية ضمن اتحاد كونفدرالي فضفاض. اعتمدت مملكة بروسيا، بقيادة المستشار أوطو فون بسمارك، سياسة « الدم والحديد » القائمة على القوة العسكرية لا على الخطابات والمداولات البرلمانية، فخاضت ثلاث حروب حاسمة: ضد الدنمارك (1864)، ثم ضد النمسا (1866) التي أقصتها من قيادة العالم الجرماني، وأخيرا ضد فرنسا (1870-1871) التي انهزمت فيها بشكل مذل. توجت هذه الحروب بإعلان قيام الإمبراطورية الألمانية في قصر فرساي نفسه سنة 1871، برئاسة الإمبراطور غليوم الأول وبسمارك مستشارا، لتصبح ألمانيا الموحدة قوة صناعية وعسكرية صاعدة ستزعزع توازن القوى الأوربي التقليدي.
فرنسا: من الملكية المستعادة إلى الجمهورية الثالثة
عرف النظام السياسي الفرنسي تقلبات عديدة خلال القرن، من الملكية المستعادة (1815-1830) إلى الملكية الدستورية (1830-1848)، فالجمهورية الثانية (1848) التي أفرزت انتخاب لويس نابليون بونابرت رئيسا قبل أن ينقلب على الجمهورية ويعلن الإمبراطورية الثانية سنة 1852. أدت هزيمة فرنسا أمام بروسيا سنة 1870 إلى سقوط الإمبراطورية وقيام الجمهورية الثالثة التي ترسخت تدريجيا كنظام برلماني ديمقراطي رغم الأزمات الداخلية (كأزمة بولانجي وقضية دريفوس)، لتصبح فرنسا نموذجا جمهوريا راسخا في أوربا.
بريطانيا: استقرار الملكية البرلمانية وتوسيع حق الاقتراع
تميزت بريطانيا بنمط تطور تدريجي وسلمي نسبيا، حافظ على النظام الملكي البرلماني القائم منذ القرن السابع عشر مع توسيع صلاحيات البرلمان ومجلس العموم تحديدا. عرفت البلاد سلسلة من قوانين الإصلاح الانتخابي (1832، 1867، 1884) وسعت تدريجيا قاعدة الناخبين لتشمل شرائح واسعة من الطبقة الوسطى ثم العمالية، إلى جانب صعود الحركة الشارتية التي طالبت بالاقتراع العام والانتخاب السري. جعل هذا المسار الإصلاحي بريطانيا نموذجا للتحول الديمقراطي دون قطيعة ثورية عنيفة، خلافا للنمط الفرنسي.
خاتمة تركيبية: ملامح الخريطة السياسية الأوربية الجديدة
أفرزت هذه التطورات السياسية المتشابكة أوربا مغايرة تماما لتلك التي رسمها مؤتمر فيينا: بروز دولتين قوميتين كبريين (إيطاليا وألمانيا)، وترسخ الليبرالية والبرلمانية في فرنسا وبريطانيا، وتراجع الأنظمة المحافظة المطلقة. شكلت هذه التحولات، وخاصة بروز ألمانيا الموحدة كقوة صناعية وعسكرية طامحة، أرضية للتنافس الإمبريالي والتوترات التي ستقود أوربا لاحقا نحو صراعات أعمق سنتناولها في الدروس الموالية.
تطبيق
تمرين 1 — عرّف المفاهيم التالية: الليبرالية، القومية، الشرعية (كما استعملت في مؤتمر فيينا).
تمرين 2 — بيّن أوجه التشابه والاختلاف بين مسار تحقيق الوحدة الإيطالية ومسار تحقيق الوحدة الألمانية.
تمرين 3 — حلل دور شخصية بسمارك في بناء الإمبراطورية الألمانية، مستعينا بمفهوم سياسة « الدم والحديد ».
تمرين 4 — قارن بين نمط التطور السياسي في فرنسا ونمط التطور السياسي في بريطانيا خلال القرن 19، مبرزا أسباب الاختلاف بينهما.
تمرين 5 — ما هي الأسباب التي جعلت ثورات 1848 أعمق وأوسع انتشارا من ثورة 1830؟
تمرين 6 — اشرح كيف ساهم مؤتمر فيينا نفسه، عبر تجاهله لمطلب الوحدة القومية، في تفجير الثورات اللاحقة.
تمرين 7 — أنجز مخططا زمنيا (خط الزمن) يبرز المحطات الكبرى لتحقيق الوحدة الألمانية بين 1862 و1871.
تمرين 8 — ناقش الأطروحة القائلة إن القرن 19 كان « قرن انتصار الأفكار الليبرالية والقومية على النظام المحافظ » بالاستناد إلى معطيات الدرس.
التصحيح
الجواب 1 — الليبرالية: تيار فكري وسياسي يدعو إلى تقييد سلطة الحاكم بدستور، وضمان الحريات الفردية والفصل بين السلط. القومية: مبدأ يقر بحق كل أمة (تجمعها لغة وتاريخ وثقافة مشتركة) في تقرير مصيرها وبناء دولة موحدة مستقلة. الشرعية: مبدأ اعتمده مؤتمر فيينا يقضي بإعادة الأسر الحاكمة التي كانت قائمة قبل الثورة الفرنسية وحروب نابليون إلى عروشها، باعتبار ذلك أساس النظام السياسي المشروع.
الجواب 2 — أوجه التشابه: كلا المسارين قاد إلى توحيد أراض مجزأة سياسيا تحت راية دولة قومية واحدة، واعتمدا على قوة إقليمية محورية (بيامونتي سردينيا لإيطاليا، بروسيا لألمانيا) وشخصية سياسية بارزة (كافور، بسمارك). أوجه الاختلاف: اعتمدت الوحدة الإيطالية بشكل أكبر على مزيج من الدبلوماسية والحراك الشعبي المسلح (غاريبالدي)، بينما اعتمدت الوحدة الألمانية بالأساس على القوة العسكرية المباشرة عبر حروب متتالية خاضتها بروسيا دون إشراك واسع للحراك الشعبي.
الجواب 3 — اعتمد بسمارك سياسة سماها « الدم والحديد »، أي أن الوحدة الألمانية لن تتحقق بالخطب والقرارات البرلمانية بل بالقوة العسكرية. خاض بروسيا بقيادته ثلاث حروب محسوبة الأهداف: ضد الدنمارك لضم الأراضي الشمالية، ضد النمسا لإقصائها من الزعامة الجرمانية، ثم ضد فرنسا لدفعها إلى الاعتراف بالوحدة وإحراج الإمبراطورية الفرنسية. أظهرت هذه الحروب براغماتية بسمارك ومهارته في استغلال التوازنات الدبلوماسية الأوربية لصالح بروسيا.
الجواب 4 — عرفت فرنسا تطورا سياسيا صداميا وغير مستقر، تخللته ثورات وانقلابات وتغيرات متكررة في طبيعة النظام (ملكية، جمهورية، إمبراطورية) قبل استقرار الجمهورية الثالثة بعد 1871. أما بريطانيا فعرفت تطورا تدريجيا وسلميا نسبيا حافظ على الملكية البرلمانية مع توسيع تدريجي لحق الاقتراع عبر قوانين إصلاح متعاقبة. يعود هذا الاختلاف إلى عوامل تاريخية (فرنسا عاشت قطيعة ثورية عنيفة سنة 1789 لم تعشها بريطانيا) ومؤسساتية (رسوخ التقليد البرلماني في بريطانيا منذ القرن 17).
الجواب 5 — اتسعت ثورات 1848 جغرافيا لتشمل معظم العواصم الأوربية الكبرى في آن واحد تقريبا (باريس، فيينا، برلين، ميلانو، بودابست)، كما جمعت بين مطالب متعددة ومتشابكة: ليبرالية سياسية (دستور، حريات)، قومية (وحدة ألمانيا وإيطاليا)، واجتماعية (تحسين ظروف العمال إثر بداية التصنيع)، خلافا لثورة 1830 التي بقيت محدودة جغرافيا (فرنسا وبلجيكا أساسا) ومقتصرة بالأساس على المطالب الليبرالية السياسية.
الجواب 6 — تجاهل مؤتمر فيينا تماما تطلعات الشعوب الإيطالية والألمانية إلى الوحدة القومية، إذ أبقى الأراضي الإيطالية مجزأة وخاضعة جزئيا لنفوذ النمسا، وأبقى الأراضي الألمانية ضمن اتحاد كونفدرالي فضفاض دون دولة موحدة. هذا التجاهل عمّق الشعور بالغبن القومي لدى النخب والشعوب المعنية، فتحول المطلب القومي إلى قوة دافعة رئيسية في ثورات 1848 وفي الحركات الوحدوية اللاحقة التي زعزعت النظام الذي أقامه المؤتمر.
الجواب 7 — خط زمني مقترح: 1862 تعيين بسمارك مستشارا لبروسيا ← 1864 الحرب ضد الدنمارك وضم شمال شليسفيغ ← 1866 الحرب ضد النمسا (معركة سادوفا) وتأسيس الاتحاد الألماني الشمالي بقيادة بروسيا ← 1870-1871 الحرب ضد فرنسا وهزيمة نابليون الثالث بسيدان ← 18 يناير 1871 إعلان قيام الإمبراطورية الألمانية الموحدة في قصر فرساي.
الجواب 8 — يمكن مناقشة الأطروحة بإبراز مؤشرات تؤكدها: تحقق الوحدتين الإيطالية والألمانية على أساس قومي، وترسخ الليبرالية البرلمانية في فرنسا وبريطانيا، وتراجع النظام المحافظ الذي أقره مؤتمر فيينا. لكن ينبغي التنسيب: فالانتصار لم يكن كاملا ولا فوريا، إذ قُمعت أغلب ثورات 1848 في المدى القريب، كما أن الوحدتين الإيطالية والألمانية تحققتا عبر آليات محافظة (الحرب والدبلوماسية الملكية) أكثر منها عبر حراك ليبرالي شعبي خالص، مما يجعل القرن 19 قرن انتصار مركب ومتدرج للأفكار الليبرالية والقومية وليس انتصارا حاسما وشاملا.



