خرجت القارة الأوروبية من الحرب العالمية الأولى (1914-1918) منهكة اقتصاديا واجتماعيا، رغم أنها ظلت تتحكم في مصير العالم عبر الإمبراطوريات الاستعمارية ونظام العلاقات الدولية الجديد الذي رسمته معاهدات الصلح. حاولت الدول المنتصرة والمهزومة معا إعادة البناء وتجاوز الاختلالات التي خلفتها الحرب، غير أن هشاشة الاقتصاد الرأسمالي العالمي وسوء توزيع الثروة أفضيا سنة 1929م إلى أزمة اقتصادية عالمية غير مسبوقة، ستكون لها انعكاسات عميقة على أوروبا والعالم. تتناول هذه الدرس أوضاع أوروبا خلال هذه المرحلة الانتقالية الحاسمة من تاريخها المعاصر.
أوروبا غداة الحرب العالمية الأولى: حصيلة ثقيلة
تركت الحرب العالمية الأولى أوروبا في وضعية اقتصادية واجتماعية بالغة الصعوبة. فعلى المستوى البشري، أودت الحرب بحياة ما يقارب عشرة ملايين قتيل وعشرين مليون جريح، إضافة إلى اختلال البنية الديموغرافية بسبب نقص المواليد وارتفاع نسبة العجز بين الرجال في سن العمل.
أما اقتصاديا، فقد تعرضت البنية التحتية (السكك الحديدية، الجسور، المصانع، الأراضي الفلاحية) في مناطق واسعة من فرنسا وبلجيكا وشرق أوروبا لدمار كبير، كما تراجع الإنتاج الصناعي والفلاحي بشكل ملحوظ. ولتمويل المجهود الحربي، لجأت الدول المتحاربة إلى الاقتراض الداخلي والخارجي وطبع النقود، ما أدى إلى تفاقم المديونية وظهور موجات تضخم حادة أنهكت القدرة الشرائية للسكان.
على المستوى الاجتماعي، برزت مطالب عمالية متصاعدة بتحسين الأجور وظروف العمل، وانتشرت الإضرابات، في وقت شهدت فيه بعض البلدان (كألمانيا) اضطرابات سياسية عميقة أفضت إلى قيام أنظمة جديدة.
مؤتمر الصلح ومعاهدات باريس (1919-1920)
انعقد مؤتمر الصلح بباريس سنة 1919 بمشاركة الدول المنتصرة، وهيمنت عليه بالأساس فرنسا وبريطانيا والولايات المتحدة الأمريكية، دون حضور الدول المهزومة التي فرضت عليها الشروط فرضا. وأسفر المؤتمر عن سلسلة من المعاهدات كان أبرزها معاهدة فرساي الموقعة مع ألمانيا في 28 يونيو 1919.
فرضت هذه المعاهدة على ألمانيا شروطا قاسية شملت: اقتطاع أراض لفائدة فرنسا وبولندا (منطقة الألزاس واللورين، ممر دانتزيغ)، وتجريد ألمانيا من مستعمراتها، وتحديد سقف قواتها العسكرية، ونزع السلاح من إقليم الراين، إلى جانب تحميلها المسؤولية الكاملة عن اندلاع الحرب وإلزامها بدفع تعويضات مالية ضخمة للدول المنتصرة.
وقد أبرمت معاهدات مماثلة مع باقي الدول المهزومة (النمسا، المجر، بلغاريا، الدولة العثمانية)، أعيد بموجبها رسم خريطة أوروبا الوسطى والشرقية وظهرت دول جديدة مثل بولندا وتشيكوسلوفاكيا ويوغوسلافيا.
عصبة الأمم: النشأة والأهداف وأسباب الفشل
تأسست عصبة الأمم سنة 1920 بمبادرة من الرئيس الأمريكي وودرو ويلسون، كآلية دولية جديدة للحفاظ على السلم العالمي وتفادي تكرار مأساة الحرب. تمثلت أهدافها الرسمية في تشجيع التعاون بين الدول، وتسوية النزاعات بالطرق السلمية، وتنظيم عملية نزع السلاح، والإشراف على نظام الانتداب الذي فرض على مستعمرات الدول المهزومة.
غير أن هذه المنظمة اصطدمت منذ البداية بعدة عوائق حدت من فعاليتها: عدم انضمام الولايات المتحدة إليها رغم أنها كانت المبادرة الأصلية، وإقصاء ألمانيا والاتحاد السوفياتي في مرحلة أولى، وغياب قوة عسكرية رادعة تنفذ قراراتها، إلى جانب هيمنة فرنسا وبريطانيا على قراراتها لخدمة مصالحهما الخاصة. وستتضح محدودية دور العصبة بشكل جلي مع تصاعد التوترات الدولية في ثلاثينيات القرن العشرين.
التطورات السياسية داخل الدول الأوروبية الكبرى
عرفت ألمانيا قيام جمهورية فايمار سنة 1919، وهي تجربة ديمقراطية هشة عانت منذ نشأتها من ثقل التعويضات الحربية ومن معارضة قوى اليمين المتطرف الرافضة لشروط معاهدة فرساي، إلى جانب أزمات اقتصادية متلاحقة (التضخم الجامح سنة 1923) ساهمت لاحقا في تنامي الحركات القومية المتطرفة.
في فرنسا، عرفت الحياة السياسية استقرارا نسبيا لكنه ظل مهددا بالانقسامات الحزبية وبثقل أعباء إعادة الإعمار وتسديد الديون. أما بريطانيا فقد حافظت على نظامها الديمقراطي البرلماني، لكنها واجهت تراجعا تدريجيا في مكانتها الاقتصادية العالمية لفائدة الولايات المتحدة الأمريكية.
في المقابل، شهدت إيطاليا منذ 1922 صعود بينيتو موسوليني والحزب الفاشي إلى السلطة، في سابقة ستشكل نموذجا ألهم لاحقا حركات شمولية أخرى في القارة.
أزمة 1929: من الرواج الاقتصادي إلى الانهيار
عرفت الولايات المتحدة الأمريكية خلال عشرينيات القرن العشرين ازدهارا اقتصاديا كبيرا قائما على الإنتاج الصناعي الواسع والاستهلاك المرتفع والمضاربة المفرطة في البورصة. غير أن هذا النمو لم يكن مصحوبا بتوزيع عادل للثروة، إذ تجاوز الإنتاج قدرة السوق على الاستيعاب، في وقت اعتمد فيه المستهلكون والمضاربون بشكل واسع على الاقتراض.
يوم 24 أكتوبر 1929، المعروف بـ"الخميس الأسود"، انهارت أسعار الأسهم في بورصة وول ستريت بنيويورك انهيارا مفاجئا، بعدما فقد المستثمرون الثقة وبادروا ببيع أسهمهم بشكل جماعي وهستيري. أفلست آلاف الشركات والبنوك الأمريكية، وتوقف الائتمان، وانتقلت الأزمة سريعا من القطاع المالي إلى الاقتصاد الحقيقي (الصناعة والفلاحة والتجارة).
وبحكم الترابط الاقتصادي العالمي وتوقف الاستثمارات والقروض الأمريكية الموجهة لأوروبا، امتدت الأزمة بسرعة إلى الدول الأوروبية، وبشكل خاص ألمانيا التي كان اقتصادها مرتبطا بشدة بالرساميل الأمريكية.
مظاهر الأزمة وانعكاساتها على أوروبا
تجلت مظاهر الأزمة في تراجع حاد للإنتاج الصناعي والفلاحي، وإفلاس عدد كبير من المقاولات والبنوك، وانخفاض الأسعار والأجور في آن واحد، وتفشي البطالة على نطاق واسع لم تعرفه أوروبا من قبل. كما انكمشت التجارة الدولية بشكل كبير بسبب لجوء الدول إلى سياسات الحماية الجمركية للدفاع عن اقتصادها الوطني.
| البلد | مظهر الأزمة |
|---|---|
| الولايات المتحدة | انهيار بورصة وول ستريت، إفلاس آلاف البنوك، بطالة واسعة |
| ألمانيا | توقف القروض الأمريكية، انهيار الصناعة، تصاعد البطالة والتوترات السياسية |
| بريطانيا | تراجع الصادرات والصناعة التقليدية، ارتفاع البطالة |
| فرنسا | تأخر تأثرها نسبيا ثم تراجع الإنتاج الصناعي والفلاحي بداية من 1931 |
وقد شكلت هذه الأزمة أرضية خصبة لتنامي الاضطرابات الاجتماعية والسياسية، وساهمت في تقوية الأحزاب والحركات المتطرفة التي وجدت في الأزمة فرصة لاستقطاب الجماهير الساخطة على الأوضاع.
سبل مواجهة الأزمة وتدخل الدولة
أمام عمق الأزمة، تخلت العديد من الدول عن مبدأ الليبرالية الاقتصادية التقليدية القائم على عدم تدخل الدولة، واتجهت نحو تبني سياسات تدخلية جديدة. ففي الولايات المتحدة، أطلق الرئيس فرانكلين روزفلت ابتداء من 1933 برنامج "النيوديل" (الصفقة الجديدة) الذي قام على تدخل الدولة لتنظيم الإنتاج ودعم القطاع الفلاحي والصناعي، وتشجيع الأشغال الكبرى لامتصاص البطالة، وإحداث نظام للضمان الاجتماعي.
أما في أوروبا، فقد اختلفت طرق المواجهة باختلاف الأنظمة السياسية: ففي بريطانيا وفرنسا، تم اللجوء إلى إجراءات حمائية وتدخل جزئي للدولة، بينما اتجهت ألمانيا وإيطاليا نحو اقتصاد موجه بالكامل في خدمة سياسة التسلح والتوسع، وهو ما سيغذي لاحقا التوترات المفضية إلى الحرب العالمية الثانية.
تطبيق
تمرين 1 — عرّف المفاهيم التالية: معاهدة فرساي، عصبة الأمم، جمهورية فايمار، النيوديل.
تمرين 2 — بيّن أهم الخسائر البشرية والاقتصادية التي خلفتها الحرب العالمية الأولى في أوروبا.
تمرين 3 — حدد الشروط التي فرضتها معاهدة فرساي على ألمانيا، وبيّن انعكاساتها على الوضع الداخلي الألماني.
تمرين 4 — اشرح أسباب محدودية دور عصبة الأمم في الحفاظ على السلم العالمي.
تمرين 5 — فسّر أسباب اندلاع أزمة 1929م الاقتصادية انطلاقا من الولايات المتحدة الأمريكية.
تمرين 6 — أنجز مبيانا (رسما تخطيطيا) يوضح انتقال أزمة 1929 من الولايات المتحدة إلى أوروبا وأهم مظاهرها.
تمرين 7 — قارن بين طريقة مواجهة الولايات المتحدة للأزمة (النيوديل) وطريقة مواجهة الأنظمة الشمولية لها.
تمرين 8 — أبرز العلاقة بين أزمة 1929 وصعود الحركات السياسية المتطرفة في أوروبا.
التصحيح
الجواب 1 — معاهدة فرساي: معاهدة صلح وُقعت سنة 1919 بين الحلفاء المنتصرين وألمانيا، فرضت عليها شروطا قاسية سياسية وعسكرية ومالية. عصبة الأمم: منظمة دولية تأسست سنة 1920 لضمان السلم العالمي وتسوية النزاعات بالطرق السلمية. جمهورية فايمار: النظام الجمهوري الديمقراطي الذي قام في ألمانيا بعد الحرب العالمية الأولى (1919) وظل هشا إلى غاية 1933. النيوديل: برنامج اقتصادي واجتماعي أطلقه الرئيس الأمريكي روزفلت سنة 1933 لمواجهة أزمة 1929 عبر تدخل الدولة في الاقتصاد.
الجواب 2 — خلفت الحرب حوالي عشرة ملايين قتيل وعشرين مليون جريح، واختلالا ديموغرافيا بسبب نقص المواليد وارتفاع نسبة العجزة. اقتصاديا، دُمرت البنية التحتية والمصانع والأراضي الفلاحية في مناطق واسعة، وتراجع الإنتاج، وتفاقمت المديونية والتضخم بسبب الاقتراض وطبع النقود لتمويل الحرب.
الجواب 3 — فرضت المعاهدة على ألمانيا اقتطاع أراض لفائدة فرنسا وبولندا، وفقدان مستعمراتها، وتحديد قواتها العسكرية ونزع سلاح إقليم الراين، وتحميلها مسؤولية الحرب ودفع تعويضات مالية ضخمة. أدت هذه الشروط إلى شعور الألمان بالإذلال الوطني، وأضعفت الاقتصاد الألماني، وغذت النزعة القومية المتطرفة التي استغلها النازيون لاحقا للوصول إلى السلطة.
الجواب 4 — يعود محدودية دور العصبة إلى عدم انضمام الولايات المتحدة صاحبة المبادرة، وإقصاء ألمانيا والاتحاد السوفياتي في البداية، وغياب قوة عسكرية رادعة لتنفيذ قراراتها، إلى جانب هيمنة فرنسا وبريطانيا على قراراتها بما يخدم مصالحهما الخاصة، وهو ما جعلها عاجزة عن ردع الاعتداءات لاحقا.
الجواب 5 — نتجت الأزمة عن نمو اقتصادي أمريكي غير متوازن قائم على إنتاج مفرط ومضاربة واسعة في البورصة واعتماد كبير على الاقتراض، دون أن يواكب ذلك توزيع عادل للثروة أو قدرة استهلاكية كافية. وعندما فقد المضاربون الثقة يوم 24 أكتوبر 1929، انهارت أسعار الأسهم فجأة فيما عرف بالخميس الأسود، وأفلست البنوك والشركات وانتقلت الأزمة إلى الاقتصاد الحقيقي.
الجواب 6 — ينبغي أن يوضح المبيان: انهيار بورصة وول ستريت (1929) ← إفلاس البنوك والشركات الأمريكية ← توقف القروض والاستثمارات الأمريكية الموجهة لأوروبا (خاصة ألمانيا) ← انتقال الأزمة إلى أوروبا ← تراجع الإنتاج وارتفاع البطالة وانكماش التجارة الدولية في مختلف الدول الأوروبية.
الجواب 7 — اعتمدت الولايات المتحدة النيوديل القائم على تدخل الدولة ضمن إطار ديمقراطي ليبرالي (دعم الفلاحة والصناعة، أشغال كبرى، ضمان اجتماعي) دون المساس بالنظام السياسي القائم. أما الأنظمة الشمولية (ألمانيا وإيطاليا) فقد اعتمدت اقتصادا موجها بالكامل من الدولة في خدمة سياسة التسلح والتوسع الخارجي، مما ربط الحل الاقتصادي بمشروع سياسي عدواني.
الجواب 8 — أدت الأزمة إلى تفشي البطالة والفقر وفقدان الثقة في الأنظمة الليبرالية القائمة، مما خلق أرضية خصبة لاستقطاب الجماهير الساخطة من طرف الأحزاب والحركات القومية والفاشية المتطرفة التي قدمت نفسها كبديل قوي قادر على تجاوز الأزمة، كما حصل مع صعود النازية في ألمانيا بعد 1930.



